ابن تيمية
95
مجموعة الفتاوى
الثَّالِثُ : أَنَّ قَوْلَهُ : " لِأَنَّ مَعْنَى الْخَلْقِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا لَمْ يَكُنْ ثُمَّ كَانَ لَمْ يَزَلْ مَوْجُوداً ؟ " فَيُقَالُ : بَلْ كُلُّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ مُحْدَثٌ مَسْبُوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ وَمَا ثَمَّ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ . وَإِذَا قِيلَ : " لَمْ يَزَلْ خَالِقاً " فَإِنَّمَا يَقْتَضِي قِدَمَ نَوْعِ الْخَلْقِ و " دَوَامُ خالقيته " لَا يَقْتَضِي قِدَمَ شَيْءٍ مِن المَخْلُوقَاتِ . فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فَإِنَّ هَذِهِ لَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّ مِنْهَا شَيْئاً أَزَلِيّاً . وَمَنْ قَالَ بِقِدَمِ شَيْءٍ مِن العَالَمِ - كَالْفُلْكِ أَوْ مَادَّتِهِ - فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ مَخْلُوقاً بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ؛ وَلَكِنْ إذْ أَوْجَدَهُ الْقَدِيمُ . وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فَعَّالاً خَالِقاً وَدَوَامُ خالقيته مِنْ لَوَازِمَ وُجُودِهِ . فَهَذَا لَيْسَ قَوْلاً بِقِدَمِ شَيْءٍ مِن المَخْلُوقَاتِ بَلْ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِحُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَاهُ . وَهَذَا مُقْتَضَى سُؤَالِ السَّائِلِ لَهُ . الْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُقَالَ : الْعَرْشُ حَادِثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَزَلْ مُسْتَوِياً عَلَيْهِ بَعْدَ وُجُودِهِ . وَأَمَّا الْخَلْقُ فَالْكَلَامُ فِي نَوْعِهِ وَدَلِيلِهِ عَلَى امْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا قَدْ عُرِفَ ضِعْفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ ابْنُ فورك فِي مُخَاطَبَةِ السُّلْطَانِ قَصَدَ إظْهَارَ مُخَالِفَةِ الكَرَّامِيَة كَمَا قَصَدَ بِنَيْسَابُورَ الْقِيَامَ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِتَابَتِهِمْ وَكَمَا كَفَّرَهُمْ عِنْدَ