ابن تيمية

31

مجموعة الفتاوى

لَا شَرْعاً وَلَا قَدَراً وَالْعُقُوبَاتُ الَّتِي تُقَامُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ سَبَبُهَا بِالْبَيِّنَةِ مِثْلَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ فَهَذَا إذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ لَمْ يُوثَقْ بِهَا وَلَوْ دُرِئَ الْحَدُّ بِإِظْهَارِ هَذَا لَمْ يَقُمْ حَدٌّ فَإِنَّهُ كُلُّ مَنْ تُقَامُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ يَقُولُ قَدْ تُبْت وَإِنْ كَانَ تَائِباً فِي الْبَاطِنِ كَانَ الْحَدُّ مُكَفِّراً وَكَانَ مَأْجُوراً عَلَى صَبْرِهِ وَأَمَّا إذَا جَاءَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَاعْتَرَفَ وَجَاءَ تَائِباً فَهَذَا لَا يَجِبُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد نَصَّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ التَّعْلِيقِ وَاحْتَجَّ عَلَيْهَا الْقَاضِي بِعِدَّةِ أَحَادِيثَ وَحَدِيثِ الَّذِي قَالَ : { أَصَبْت حَدّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ } يَدْخُلُ فِي هَذَا لِأَنَّهُ جَاءَ تَائِباً وَإِنْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ كَمَا شَهِدَ بِهِ مَاعِزٌ والغامدية وَاخْتَارَ إقَامَةَ الْحَدِّ أُقِيمَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا . كَمَا فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ : { فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ ؟ } والغامدية رَدَّهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ . فَالْإِمَامُ وَالنَّاسُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مِثْلِ هَذَا ؛ وَلَكِنْ هُوَ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ كَاَلَّذِي يُذْنِبُ سِرّاً وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ حَدّاً : لَكِنْ إذَا اخْتَارَ هُوَ أَنْ يَعْتَرِفَ وَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أُقِيمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَائِباً وَهَذَا كَقَتْلِ الَّذِي يَنْغَمِسُ فِي الْعَدُوِّ هُوَ مِمَّا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَتَهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مُكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ وَهَلْ وَجَدْت أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ } . وَقَدْ قِيلَ فِي مَاعِزٍ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ