ابن تيمية
27
مجموعة الفتاوى
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يَغْفِرُ الذُّنُوبَ } عَامٌّ فِي الذُّنُوبِ مُطْلَقٌ فِي أَحْوَالِهَا ؛ فَإِنَّ الذَّنْبَ قَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ تَائِباً مِنْهُ وَقَدْ يَكُونُ مُصِرّاً وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ بَلْ الْكَلَامُ يُبَيِّنُ أَنَّ الذَّنْبَ يُغْفَرُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِفِعْلِ مَا تُغْفَرُ بِهِ الذُّنُوبُ وَنَهَى عَمَّا بِهِ يَحْصُلُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلَا مَغْفِرَةٍ فَقَالَ : { وَأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ } { وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } { أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ } { أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } فَهَذَا إخْبَارٌ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذِّبُ نُفُوساً لَمْ يَغْفِرْ لَهَا كَاَلَّتِي كَذَّبَتْ بِآيَاتِهِ وَاسْتَكْبَرَتْ وَكَانَتْ مِن الكَافِرِينَ وَمِثْلُ هَذِهِ الذُّنُوبِ غَفَرَهَا اللَّهُ لِآخَرِينَ لِأَنَّهُمْ تَابُوا مِنْهَا . فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } ؟ قِيلَ : إنَّ الْقُرْآنَ قَدْ بَيَّنَ تَوْبَةَ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ارْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ