ابن تيمية
11
مجموعة الفتاوى
أَرَادَ بِهِ خَيْراً وَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ اللَّازِمُ فَيَنْتَفِي الْمَلْزُومُ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ } بَيَّنَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ لِلثَّانِي : شَرْطاً نَحْوِيّاً وَهُوَ مَلْزُومٌ وَسَبَبٌ فَيَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً أَسْمَعَهُ هَذَا الْإِسْمَاعَ فَمَنْ لَمْ يُسْمِعْهُ إيَّاهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ فِيهِ خَيْراً فَتَدَبَّرْ كَيْفَ وَجَبَ هَذَا السَّمَاعُ وَهَذَا الْفِقْهُ وَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِسَمَاعِ لَا فِقْهَ مَعَهُ أَوْ فِقْهٍ لَا سَمَاعَ مَعَهُ أَعْنِي هَذَا السَّمَاعَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ . لِظَنِّهِمْ أَنَّ هَذَا السَّمَاعَ الْمَشْرُوطَ هُوَ السَّمَاعُ الْمَنْفِيُّ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْراً وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ؛ بَلْ ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا يُنَافِي ذَلِكَ ؛ فَإِنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } عَائِدٌ إلَى الضَّمِيرَيْنِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ } وَهَؤُلَاءِ قَدْ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْلَمْ فِيهِمْ خَيْراً فَلَمْ يُسْمِعْهُمْ إذْ " لَوْ " يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الشَّرْطِ دَائِماً : وَإِذَا كَانَ اللَّهُ مَا عَلِمَ فِيهِمْ خَيْراً فَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَهُمْ " الصِّنْفُ الثَّالِثُ " . وَدَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ وَفَقِهَ يَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ ؛