ابن تيمية

101

مجموعة الفتاوى

وَإِنَّهُ فِي السَّمَاءِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ " لَا يَقُولُونَ إنَّ هُنَاكَ شَيْئاً يَحْوِيهِ أَوْ يَحْصُرُهُ أَوْ يَكُونُ مَحَلّاً لَهُ أَوْ ظَرْفاً وَوِعَاءً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ بَلْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ . وَهُوَ عَالٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْحَامِلُ لِلْعَرْشِ وَلِحَمَلَةِ الْعَرْشِ بِقُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ . وَكُلُّ مَخْلُوقٍ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَرْشِ وَعَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ . وَمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ قَوْلِهِ { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ قَدْ يَفْهَمُ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ " السَّمَاءِ " هِيَ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ الْعَالِي الْعَرْشُ فَمَا دُونَهُ . فَيَقُولُونَ : قَوْلُهُ { فِي السَّمَاءِ } بِمَعْنَى " عَلَى السَّمَاءِ " كَمَا قَالَ : { وَلَأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أَيْ " عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ " وَكَمَا قَالَ : { فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ } أَيْ " عَلَى الْأَرْضِ " . وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا بَلْ " السَّمَاءِ " اسْمُ جِنْسٍ لِلْعَالِي لَا يَخُصُّ شَيْئاً . فَقَوْلُهُ { فِي السَّمَاءِ } أَيْ " فِي الْعُلُوِّ دُونَ السُّفْلِ " . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى فَلَهُ أَعْلَى الْعُلُوِّ وَهُوَ مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَلَيْسَ هُنَاكَ غَيْرُهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هُوَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَخْلُوقَاتِ السُّفْلِيَّةِ الْقَذِرَةِ الْخَبِيثَةِ كَمَا هُوَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْعَالِيَةِ . وَغُلَاةُ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ " الْوُجُودُ وَاحِدٌ " كَابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ صَاحِبِ " فُصُوصِ