ابن تيمية
79
مجموعة الفتاوى
يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } أَيْ تَجْعَلُونَ لَهُ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ عَلَى الْمَحْذُوفِ وَقَدْ يَكُونُ الْمَحْذُوفُ مِثْلَ أَنْ يُقَالَ : أَفَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ يُذَمُّ أَوْ يُطْعَنُ عَلَيْهِ أَوْ يُعْرَضُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ أَوْ يُفْتَنُ أَوْ يُعَذَّبُ كَمَا قَالَ : { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } . وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إنَّ الْمَحْذُوفَ : { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فَرَأَى الْبَاطِلَ حَقّاً ؟ وَالْقَبِيحَ حَسَناً كَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ فَرَأَى الْحَقَّ حَقّاً وَالْبَاطِلَ بَاطِلاً وَالْقَبِيحَ قَبِيحاً وَالْحَسَنَ حَسَناً ؟ وَقِيلَ : جَوَابُهُ تَحْتَ قَوْلِهِ : { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ : الِاسْتِفْهَامُ مَا مَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَقْدِرَ . أَيْ : هَذَا تَقْدِرُ أَنْ تَهْدِيَهُ أَوْ رَبُّك ؟ أَوْ تَقْدِرُ أَنْ تَجْزِيَهُ كَمَا قَالَ : { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } وَلِهَذَا قَالَ : { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } وَكَمَا قَالَ : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } الْآيَةُ . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَاهَا كَمَعْنَى قَوْلِهِ : { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } . وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى هُنَا : { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } يُذَمُّ وَيُخَالَفُ وَيُكَذَّبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ : { قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ } وَحَذَفَ جَوَابَ