ابن تيمية

63

مجموعة الفتاوى

وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَا تَهْلَكُ أُمَّةٌ حَتَّى يَتَّبِعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَيَتْرُكُوا مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ مِن البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } فَمَنْ اتَّبَعَهُ يَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ وَالْبَصِيرَةُ هِيَ الْبَيِّنَةُ . وَقَالَ : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } الْآيَةُ . فَالنُّورُ الَّذِي يَمْشِي فِي النَّاسِ هُوَ الْبَيِّنَةُ وَالْبَصِيرَةُ وَقَالَ : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الْآيَةُ . قَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ وَغَيْرُهُ : هُوَ مِثْلُ نُورِ الْمُؤْمِنِ وَهُوَ نُورُهُ الَّذِي فِي قَلْبِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ النَّاشِئِ عَنْ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ . وَذَلِكَ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّهِ . وَقَالَ : { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } فَهَذَا النُّورُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَشَرْحُ الصَّدْرِ لِلْإِسْلَامِ هُوَ الْبَيِّنَةُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ الْهُدَى الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ } وَاسْتَعْمَلَ فِي هَذَا حَرْفَ الِاسْتِعْلَاءِ لِأَنَّ الْقَلْبَ لَا يَسْتَقِرُّ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا كَانَ عَالِماً مُوقِناً بِالْحَقِّ فَيَكُونُ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ صِبْغَةً لَهُ يَنْصَبِغُ بِهَا كَمَا قَالَ : { صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } وَيَصِيرُ مَكَانَةً لَهُ كَمَا قَالَ : { قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وَالْمَكَانُ وَالْمَكَانَةُ قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَسْتَقِرُّ الشَّيْءُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطاً بِهِ كَالسَّقْفِ مَثَلاً وَقَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يُحِيطُ بِهِ . فَالْمُهْتَدُونَ لَمَّا كَانُوا عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَنُورٍ وَبَيِّنَةٍ وَبَصِيرَةٍ صَارَ