ابن تيمية
43
مجموعة الفتاوى
وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْعَذَابُ بِفِعْلِ الْعِبَادِ وَقَدْ يُقَالُ : التَّقْدِيرُ : { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } أَوْ يُصِيبَكُمْ بِأَيْدِينَا ؛ لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَوْجَهُ ؛ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إصَابَةٌ بِسُوءِ ؛ إذْ قَدْ يُقَالُ : أَصَابَهُ بِخَيْرٍ وَأَصَابَهُ بِشَرِّ . قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } وَقَالَ تَعَالَى : { فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ } وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَفْظُ الْإِصَابَةِ يَدُلُّ عَلَى الْإِصَابَةِ بِالشَّرِّ لَاكْتَفَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ } . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى أَيْضاً : { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } إلَى قَوْلِهِ : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وقَوْله تَعَالَى { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } .