ابن تيمية
22
مجموعة الفتاوى
إلَيْهِ فَذَكَرَ فِي كُلِّ آيَةٍ مَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَا مِن الخَوْفِ وَالطَّمَعِ فَتَبَارَكَ مَنْ أَنْزَلَ كَلَامَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ . وقَوْله تَعَالَى { إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } قِيلَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فِي الدُّعَاءِ كَاَلَّذِي يَسْأَلُ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ مَنَازِلِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلِ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إذَا دَخَلْتهَا فَقَالَ : يَا بُنَيَّ سَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِن النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ } وَعَلَى هَذَا فَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ تَارَةً بِأَنْ يَسْأَلَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ سُؤَالُهُ مِن المَعُونَةِ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ . وَتَارَةً يَسْأَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ مِثْلَ أَنْ يَسْأَلَ تَخْلِيدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ يَسْأَلَهُ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ لَوَازِمَ الْبَشَرِيَّةِ : مِن الحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَيَسْأَلَهُ بِأَنْ يُطْلِعَهُ عَلَى غَيْبِهِ أَوْ أَنْ يَجْعَلَهُ مِن المَعْصُومِينَ أَوْ يَهَبَ لَهُ وَلَداً مِنْ غَيْرِ زَوْجَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا سُؤَالُهُ اعْتِدَاءٌ لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَلَا يُحِبُّ سَائِلَهُ . وَفُسِّرَ الِاعْتِدَاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ أَيْضاً فِي الدُّعَاءِ . وَبَعْدُ : فَالْآيَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ الِاعْتِدَاءُ بِالدُّعَاءِ مُرَاداً