ابن تيمية
77
مجموعة الفتاوى
هُنَا قَدْ اُسْتُعْمِلَ مُتَعَدِّياً ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : ( عُفِيَ ) ( شَيْءٌ ) وَلَمْ يَقُلْ : ( عَفَا ) ( شَيْئاً ) وَهَذَا إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفِعْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ } وَأَمَّا الْعَفْوُ عَنْ الْقَتْلِ فَذَاكَ يُقَالُ فِيهِ عَفَوْت عَنْ الْقَاتِلِ فَوَلِيُّ الْمَقْتُولِ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ : بَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَتْلِ وَيَأْخُذَ الدِّيَةَ فَلَمْ يُعْفَ لَهُ شَيْءٌ ؛ بَلْ هُوَ عَفَا عَنْ الْقَتْلِ وَإِذَا عَفَا فَإِمَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ الدِّيَةَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ رِضَا الْقَاتِلِ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : { مِنْ أَخِيهِ } أَيْ مِنْ دَمِ أَخِيهِ أَيْ تَرَكَ لَهُ الْقَتْلَ وَرَضِيَ بِالدِّيَةِ ؛ وَالْمُرَادُ الْقَاتِلُ يَعْنِي أَنَّ الْقَاتِلَ عُفِيَ لَهُ مِنْ دَمِ أَخِيهِ الْمَقْتُولِ أَيْ تَرَكَ لَهُ الْقَتْلَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَنَّ الْوَلِيَّ عَفَا لِلْقَاتِلِ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ شَيْئاً وَهَذَا كَلَامٌ لَا يُعْرَفُ لَا يُقَالُ : عَفَوْت لَك شَيْئاً وَلَا يُقَالُ : عَفَوْت مِنْ دَمِ الْقَاتِلِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُقَالُ : إنَّهُ عَفَا عَنْ الْقَاتِلِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا ؟ . وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْمُتَقَاصَّانِ إذَا تَعَادَّا الْقَتْلَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ أَيْ فَضَلَ لَهُ مِنْ مُقَاصَّةِ أَخِيهِ مُقَاصَّةٌ أُخْرَى أَيْ هَذَا الَّذِي فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ كَمَا يُقَالُ : أَبَقِيَ لَهُ مِنْ جِهَةِ أَخِيهِ بَقِيَّةٌ { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } فَهَذَا الْمُسْتَحِقّ لِلْفَضْلِ يَتَّبِعُ الْمُقَاصَّ الْآخَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى هَذَا بِإِحْسَانِ { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أَيْ مِنْ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ تُؤَدِّي قَتْلَى الْأُخْرَى فَإِنَّ فِي هَذَا تَثْقِيلاً عَظِيماً لَهُ { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } فَإِنَّهُمْ