ابن تيمية
21
مجموعة الفتاوى
يَقُولَ : خَيْراً تَلَقَّاهُ وَشَرّاً تَوَقَّاهُ خَيْراً لَنَا وَشَرّاً لِأَعْدَائِنَا } فَإِنَّهُ إذَا أَصَابَ الْعَبْدَ شَرٌّ سُرَّ قَلْبُ عَدُوِّهِ ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لِهَذَا وَشَرٌّ لِهَذَا ؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيّاً وَلَا عَدُوّاً فَلَيْسَ فِي حَقِّهِ خَيْراً وَلَا شَرّاً وَلَيْسَ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ مَا يُؤْلِمُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ دَائِماً وَلَا مَا يُؤْلِمُ جُمْهُورَهُمْ دَائِماً ؛ بَلْ مَخْلُوقَاتُهُ إمَّا مُنْعِمَةٌ لَهُمْ أَوْ لِجُمْهُورِهِمْ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ كَالشَّمْسِ وَالْعَافِيَةِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ مَا هُوَ شَرٌّ مُطْلَقاً عَامّاً . فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرَّ الْمَخْلُوقَ الْمَوْجُودَ شَرٌّ مُقَيَّدٌ خَاصٌّ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ هُوَ بِهِ خَيْرٌ وَحُسْنٌ وَهُوَ أَغْلَبُ وَجْهَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } وَقَالَ تَعَالَى : { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ } وَقَالَ : { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً } . وَقَدْ عَلَم الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً مَا إلَّا لِحِكْمَةِ ؛ فَتِلْكَ الْحِكْمَةُ وَجْهُ حُسْنِهِ وَخَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ شَرٌّ مَحْضٌ لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ ؛ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ : { وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْك } وَكَوْنُ الشَّرِّ لَمْ يُضَفْ إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ ؛ بَلْ إمَّا بِطْرِيقِ الْعُمُوم أَوْ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ أَوْ يُحْذَفُ فَاعِلُهُ .