ابن تيمية
54
مجموعة الفتاوى
بِهَا فَيُنَافِقُ فِي الْبَاطِنِ وَمَا يُمْكِنُهُ إظْهَارُ الرِّدَّةِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِالنِّفَاقِ مَعَ خَاصَّتِهِ وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ : { فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ } { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ } . و " بِالْجُمْلَةِ " فَلَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ يَتَبَايَنُ فِيهِ أَحْوَالُ النَّاسِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِي إيمَانِهِمْ وَدِينِهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ { نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ } وَقَالَ فِي نُقْصَانِ دِينِهِنَّ : { إنَّهَا إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي } وَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَلَيْسَ هَذَا النَّقْصُ دِيناً لَهَا تُعَاقَبُ عَلَيْهِ لَكِنْ هُوَ نَقْصٌ حَيْثُ لَمْ تُؤْمَرُ بِالْعِبَادَةِ فِي هَذَا الْحَالِ وَالرَّجُلُ كَامِلٌ حَيْثُ أُمِرَ بِالْعِبَادَةِ فِي كُلِّ حَالٍ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَنْ أُمِرَ بِطَاعَةِ يَفْعَلُهَا كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَاصِياً فَهَذَا أَفْضَلُ دِيناً وَإِيمَاناً وَهَذَا الْمَفْضُولُ لَيْسَ بِمُعَاقَبِ وَمَذْمُومٍ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ كَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ بِالتَّطَوُّعَاتِ ؛ لَكِنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ بِوَاجِبِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَلَيْسَ بِوَاجِبِ فِي حَقِّ شَخْصٍ غَيْرِهِ فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَوْ تَرَكَهَا بِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِهَا وَذَاكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ بِتَرْكِهَا وَلَكِنَّ إيمَانَ ذَلِكَ أَكْمَلُ . قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً } .