ابن تيمية

106

مجموعة الفتاوى

فَهَكَذَا مَا فِي الْإِنْجِيلِ مِن الخَبَرِ عَنْ صَلْبِ الْمَسِيحِ وَتَوَفِّيهِ وَمَجِيئِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْحَوَارِيِّينَ لَيْسَ هُوَ مِمَّا قَالَهُ الْمَسِيحُ وَإِنَّمَا هُوَ مِمَّا رَآهُ مَنْ بَعْدَهُ وَاَلَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ هُوَ مَا سُمِعَ مِن المَسِيحِ الْمُبَلِّغِ عَنْ اللَّهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا كَانَ الْحَوَارِيُّونَ قَدْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَسِيحَ صُلِبَ وَأَنَّهُ أَتَاهُمْ بَعْدَ أَيَّامٍ وَهُمْ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ الْمَسِيحِ الْإِنْجِيلَ وَالدِّينَ فَقَدْ دَخَلَتْ الشُّبْهَةُ . قِيلَ : الْحَوَارِيُّونَ وَكُلُّ مَنْ نَقَلَ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا نَقَلُوهُ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ . وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَمَوْقُوفٌ عَلَى الْحُجَّةِ إنْ كَانَ حَقّاً قُبِلَ وَإِلَّا رُدَّ ؛ وَلِهَذَا كَانَ مَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن القُرْآنِ وَالْحَدِيثِ يَجِبُ قَبُولُهُ ؛ لَا سِيَّمَا الْمُتَوَاتِرُ كَالْقُرْآنِ وَكَثِيرٌ مِن السُّنَنِ . وَأَمَّا مَا قَالُوهُ فَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَإِجْمَاعُهُمْ مَعْصُومٌ وَمَا تَنَازَعُوا فِيهِ رُدَّ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ وَعُمَرُ قَدْ كَانَ أَوَّلاً أَنْكَرَ مَوْتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ تَنَازَعُوا فِي دَفْنِهِ حَتَّى فَصَلَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ وَتَنَازَعُوا فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ وَتَنَازَعُوا فِي قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا قَادِحاً فِيمَا نَقَلُوهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالنَّصَارَى لَيْسُوا مُتَّفِقِينَ عَلَى صَلْبِ الْمَسِيحِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ