ابن تيمية

101

مجموعة الفتاوى

فَهَؤُلَاءِ يَبْنُونَ أَمْرَهُمْ عَلَى الْإِرَادَةِ وَأُولَئِكَ يَبْنُونَ أَمْرَهُمْ عَلَى النَّظَرِ وَهَذِهِ هِيَ الْقُوَّةُ الْعِلْمِيَّةُ وَلَا بُدَّ لِأَهْلِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مِنْ هَذَا وَهَذَا وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَهَذَا مُوَافِقاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . فَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَمُوَافَقَةُ السُّنَّةِ وَأُولَئِكَ عَظَّمُوا النَّظَرَ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْإِرَادَةِ وَعَظَّمُوا جِنْسَ النَّظَرِ وَلَمْ يَلْتَزِمُوا النَّظَرَ الشَّرْعِيَّ فَغَلِطُوا مِنْ جِهَةِ كَوْنِ جَانِبِ الْإِرَادَةِ لَمْ يُعَظِّمُوهُ وَإِنْ كَانُوا يُوجِبُونَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ فَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ وَحَقَائِقَهَا وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ النَّظَرَ لَمْ يُمَيِّزُوا فِيهِ بَيْنَ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ الْحَقِّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ وَأَخْبَرَ بِهِ وَبَيْنَ النَّظَرِ الْبِدْعِيِّ الْبَاطِلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ . وَكَذَلِكَ " الصُّوفِيَّةُ " عَظَّمُوا جِنْسَ الْإِرَادَةِ إرَادَةِ الْقَلْبِ وَذَمُّوا الْهَوَى وَبَالَغُوا فِي الْبَابِ وَلَمْ يُمَيِّزْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُوَافَقَةِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ الْإِرَادَةِ الْبِدْعِيَّةِ بَلْ أَقْبَلُوا عَلَى طَرِيقِ الْإِرَادَةِ دُونَ طَرِيقَةِ النَّظَرِ وَأَعْرَضَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الدَّاخِلُ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ ؛ وَلِهَذَا صَارَ هَؤُلَاءِ يَمِيلُ إلَيْهِمْ النَّصَارَى وَيَمِيلُونَ إلَيْهِمْ وَأُولَئِكَ يَمِيلُ إلَيْهِمْ الْيَهُودُ وَيَمِيلُونَ إلَيْهِمْ وَبَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى غَايَةُ التَّنَافُرِ وَالتَّبَاغُضِ . وَكَذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالرَّأْيِ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالزُّهْدِ