ابن تيمية
98
مجموعة الفتاوى
ثُمَّ إذَا قَرَأْنَا الْقُرْآنَ فَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِأَصْوَاتِنَا الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي لَا تُمَاثِلُ صَوْتَ الرَّبِّ فَالْقُرْآنُ الَّذِي نَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ مُبَلَّغاً عَنْهُ لَا مَسْمُوعاً مِنْهُ وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِحَرَكَاتِنَا وَأَصْوَاتِنَا الْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْعَقْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } قَالَ يُزَيِّنُهُ وَيُحَسِّنُهُ بِصَوْتِهِ كَمَا قَالَ : " { زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ } فَنَصَّ أَحْمَد عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ إنَّا نَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِنَا وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ كُلُّهُ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ مِن اللَّهِ وَبَلَّغَهُ إلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَمِعَهُ مُحَمَّدٌ مِنْهُ وَبَلَّغَهُ مُحَمَّدٌ إلَى الْخَلْقِ وَالْخَلْقُ يُبَلِّغُهُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَيَسْمَعُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ فَبَلَّغُوهُ عَنْهُ كَمَا قَالَ : " { نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ } فَهُمْ سَمِعُوا اللَّفْظَ مِن الرَّسُولِ بِصَوْتِ نَفْسِهِ بِالْحُرُوفِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا وَبَلَّغُوا لَفْظَهُ بِأَصْوَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَقَدْ عُلِمَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ وَاللَّفْظُ الْمُبَلَّغُ هُوَ لَفْظُ الرَّسُولِ وَهُوَ كَلَامُ الرَّسُولِ ؛ فَإِنْ كَانَ صَوْتُ