ابن تيمية
70
مجموعة الفتاوى
الْحُرُوفُ الَّتِي تَكَلَّمَ اللَّهُ بِهَا فَإِذَا كُتِبَتْ بِالْمِدَادِ لَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً وَكَانَ الْمِدَادُ مَخْلُوقاً . وَأَشْكَالُ الْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهَا اصْطِلَاحُ الْأُمَمِ . وَالْخَطُّ الْعَرَبِيُّ قَدْ قِيلَ إنَّ مَبْدَأَهُ كَانَ مِن الأَنْبَارِ وَمِنْهَا انْتَقَلَ إلَى مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَالْخَطُّ الْعَرَبِيُّ تَخْتَلِفُ صُورَتُهُ : الْعَرَبِيُّ الْقَدِيمُ فِيهِ تَكَوُّفٌ وَقَدْ اصْطَلَحَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى تَغْيِيرِ بَعْضِ صُوَرِهِ وَأَهْلُ الْمَغْرِب لَهُمْ اصْطِلَاحٌ ثَالِثٌ حَتَّى فِي نَقْطِ الْحُرُوفِ وَتَرْتِيبِهَا وَكَلَامُ اللَّهِ الْمَكْتُوبُ بِهَذِهِ الْخُطُوطِ كَالْقُرْآنِ الْعَرَبِيِّ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْخُطُوطِ الَّتِي يُكْتَبُ بِهَا . فَإِنْ قِيلَ : فَالْحَرْفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ فِي كَلَامِ الْخَالِقِ أَوْ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ هُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ فِي كَلَامِ الْعِبَادِ وَإِنْ قُلْتُمْ مَخْلُوقٌ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَخْلُوقاً فِي كَلَامِ اللَّهِ ؟ قِيلَ : قَوْلُ الْقَائِلِ الْحَرْفُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ كَقَوْلِهِ الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالْعِلْمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَالْقُدْرَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَالْوُجُودُ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَغَيْرَهَا إذَا أُخِذَتْ مُجَرَّدَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ وَلَا مُشَخَّصَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقِيقَةٌ فِي الْخَارِجِ عَنْ الْأَذْهَانِ