ابن تيمية
58
مجموعة الفتاوى
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ آدَمَ كَانَ نَبِيّاً مُكَلَّماً كَلَّمَهُ اللَّهُ قَبْلاً } " وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِ شَيْئاً مَكْتُوباً فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى آدَمَ صَحِيفَةً وَلَا كِتَاباً وَلَا هَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ وَلَوْ كَانَ هَذَا مَعْرُوفاً عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَكَانَ هَذَا النَّقْلُ لَيْسَ هُوَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَحَادِيثِ الإسرائيلية الَّتِي لَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا ؛ بَلْ وَلَا يَجُوزُ التَّصْدِيقُ بِصِحَّتِهَا إلَّا بِحُجَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " { إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ؛ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقِّ فَتُكَذِّبُوهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلِ فَتُصَدِّقُوهُ } " . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَأَنْطَقَهُ بِالْكَلَامِ الْمَنْظُومِ . وَأَمَّا تَعْلِيمُ حُرُوفٍ مُقَطَّعَةٍ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً فَهُوَ تَعْلِيمٌ لَا يَنْفَعُ وَلَكِنْ لَمَّا أَرَادُوا تَعْلِيمَ الْمُبْتَدِئِ بِالْخَطِّ صَارُوا يُعَلِّمُونَهُ الْحُرُوفَ الْمُفْرَدَةَ حُرُوفَ الْهِجَاءَ ثُمَّ يُعَلِّمُونَهُ تَرْكِيبَ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ فَيُعَلَّمُ أَبْجَدَ هوز وَلَيْسَ هَذَا وَحْدَهُ كَلَاماً . فَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ آدَمَ مِنْ نُزُولِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ عَلَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ نَقْلٌ وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ عَقْلٌ ؛ بَلْ الْأَظْهَرُ فِي كِلَيْهِمَا نَفْيُهُ وَهُوَ مَنْ جِنْسِ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَفْسِيرِ ا ب ت ث وَتَفْسِيرِ أَبْجَد