ابن تيمية

56

مجموعة الفتاوى

وَقَدْ فَرَّقَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَيْنَ كَلَامِهِ وَبَيْنَ مِدَادِ كَلِمَاتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } وَكَلِمَاتُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَالْمِدَادُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ كَلِمَاتُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ وَالْقُرْآنُ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَكَذَلِكَ الْمَكْتُوبُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَغَيْرِهِ قَالَ تَعَالَى : { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } { فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } وَقَالَ : { كَلَّا إنَّهَا تَذْكِرَةٌ } { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ } { مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ } وَقَالَ تَعَالَى : { يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً } { فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } وَقَالَ : { إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } { لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ } . فَصْلٌ : فَهَذَانِ الْمُتَنَازِعَانِ اللَّذَانِ تَنَازَعَا فِي " الْأَحْرُفِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى آدَمَ " فَقَالَ أَحَدُهُمَا : إنَّهَا قَدِيمَةٌ وَلَيْسَ لَهَا مُبْتَدَأٌ وَشَكْلُهَا وَنَقْطُهَا مُحْدَثٌ . وَقَالَ الْآخَرُ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَإِنَّهَا مَخْلُوقَةٌ بِشَكْلِهَا وَنَقْطِهَا وَإِنَّ الْقَدِيمَ هُوَ اللَّهُ وَكَلَامُهُ مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَكِنَّهُ كَتَبَ بِهَا . وَسُؤَالُهُمَا أَنْ نُبَيِّنَ لَهُمَا الصَّوَابَ وَأَيُّهُمَا أَصَحُّ اعْتِقَاداً يُقَالُ لَهُمَا : يَحْتَاجُ بَيَانُ الصَّوَابِ إلَى بَيَانِ مَا فِي السُّؤَالِ مِن الكَلَامِ الْمُجْمَلِ