ابن تيمية
95
مجموعة الفتاوى
صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ نُورٍ ؛ وَخَلَقَ إبْلِيسَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ؛ وَخَلَقَ آدَمَ مِمَّا وَصَفَ لَكُمْ } وَلَيْسَ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ بِاعْتِبَارِ مَا خُلِقَتْ مِنْهُ فَقَطْ ؛ بَلْ قَدْ يُخْلَقُ الْمُؤْمِنُ مِنْ كَافِرٍ ؛ وَالْكَافِرُ مِنْ مُؤْمِنٍ ؛ كَابْنِ نُوحٍ مِنْهُ وَكَإِبْرَاهِيمَ مِنْ آزَرَ ؛ وَآدَمُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ طِينٍ : فَلَمَّا سَوَّاهُ ؛ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ؛ وَأَسْجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةَ ؛ وَفَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِتَعْلِيمِهِ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَبِأَنْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ ؛ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ . فَهُوَ وَصَالِحُو ذُرِّيَّتِهِ أَفْضَلُ مِن المَلَائِكَةِ ؛ وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ مَخْلُوقِينَ مِنْ طِينٍ ؛ وَهَؤُلَاءِ مِنْ نُورٍ . وَهَذِهِ " مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ " مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ فَإِنَّ فَضْلَ بَنِي آدَمَ هُوَ بِأَسْبَابِ يَطُولُ شَرْحُهَا هُنَا . وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْقَرَارِ : { وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } . وَالْآدَمِيُّ خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ؛ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ ؛ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ انْتَقَلَ مَنْ صِغَرٍ إلَى كِبَرٍ ثُمَّ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ فَلَا يَظْهَرُ فَضْلُهُ وَهُوَ فِي ابْتِدَاءِ أَحْوَالِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ فَضْلُهُ عِنْدَ كَمَالِ أَحْوَالِهِ ؛ بِخِلَافِ الْمَلَكِ الَّذِي تَشَابَهَ أَوَّلُ أَمْرِهِ وَآخِرِهِ . وَمِنْ هُنَا غَلِطَ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ حَيْثُ نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ . وَهُمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَحْوَالِ . قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِنْ نِهَايَاتِ الْكَمَالِ .