ابن تيمية
114
مجموعة الفتاوى
لَا يَسْتَحِقُّ الْعَذَابَ . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } - إلَى قَوْلِهِ - { لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } فَلَوْلَا الضُّعَفَاءُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ بَيْنَ ظهراني الْكُفَّارِ عَذَّبَ اللَّهُ الْكُفَّارَ : وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِن النِّسَاءِ وَالذَّرَارِيِّ لَأَمَرْت بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالِ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ مَعَنَا فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ } وَكَذَلِكَ تَرَكَ رَجْمَ الْحَامِلِ حَتَّى تَضَعَ جَنِينَهَا . وَقَدْ قَالَ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ } فَبَرَكَاتُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ بِاعْتِبَارِ نَفْعِهِمْ لِلْخَلْقِ بِدُعَائِهِمْ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَبِدُعَائِهِمْ لِلْخَلْقِ وَبِمَا يُنْزِلُ اللَّهُ مِن الرَّحْمَةِ وَيَدْفَعُ مِن العَذَابِ بِسَبَبِهِمْ حَقٌّ مَوْجُودٌ فَمَنْ أَرَادَ بِالْبَرَكَةِ هَذَا وَكَانَ صَادِقاً فَقَوْلُهُ حَقٌّ . وَأَمَّا " الْمَعْنَى الْبَاطِلُ " فَمِثْلُ أَنْ يُرِيدَ الْإِشْرَاكَ بِالْخَلْقِ : مِثْلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مَقْبُورٌ بِمَكَانِ فَيَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَتَوَلَّاهُمْ لِأَجْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُومُوا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهَذَا جَهْلٌ . فَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ مَدْفُونٌ بِالْمَدِينَةِ عَامَ الْحَرَّةِ وَقَدْ أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِن القَتْلِ وَالنَّهْبِ وَالْخَوْفِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحْدَثُوا أَعْمَالاً أَوْجَبَتْ ذَلِكَ وَكَانَ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِإِيمَانِهِمْ وَتَقْوَاهُمْ لِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كَانُوا يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ