ابن تيمية

60

مجموعة الفتاوى

أَنَا وَقَعْت فَأَنْتَ مَا الَّذِي أَوْقَعَك ؟ فَقَالَ غِبْت بِك عَنِّي فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ وَضَلَالٌ . لَكِنْ إنْ كَانَ هَذَا لِقُوَّةِ الْمَحَبَّةِ وَالذِّكْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ عَنْ سَبَبٍ مَحْظُورٍ زَالَ بِهِ عَقْلُهُ كَانَ مَعْذُوراً فِي زَوَالِ عَقْلِهِ ؛ فَلَا يَكُونُ مُؤَاخِذاً بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِن الكَلَامِ فِي هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي زَالَ فِيهَا عَقْلُهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ مَحْظُورٍ ؛ كَمَا قِيلَ فِي عُقَلَاءِ الْمَجَانِينِ : إنَّهُمْ قَوْمٌ آتَاهُمْ اللَّهُ عُقُولاً وَأَحْوَالاً فَسَلَبَ عُقُولَهُمْ وَأَبْقَى أَحْوَالَهُمْ وَأَسْقَطَ مَا فَرَضَ بِمَا سَلَبَ . وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّبَبُ الَّذِي بِهِ زَوَالُ الْعَقْلِ مَحْظُوراً لَمْ يَكُنْ السَّكْرَانُ مَعْذُوراً ؛ وَإِنْ كَانَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ كَمَا لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ كَانَ النِّزَاعُ فِي الْحُكْمِ مَشْهُوراً . وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا ؛ وَفِيمَنْ يُسَلِّمُ لَهُ حَالَهُ وَمَنْ لَا يُسَلِّمُ فِي " قَاعِدَةِ " ذَلِكَ . وَبِكُلِّ حَالٍ ؛ فَالْفَنَاءُ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إلَى مِثْلِ هَذَا حَالٌ نَاقِصٌ ؛ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ وَلِهَذَا لَمْ يَرِدْ مِثْلُ هَذَا عَنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُمْ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَفْضَلُ الرُّسُلِ وَإِنْ كَانَ لِهَؤُلَاءِ فِي صَعْقِ مُوسَى نَوْعُ تَعَلُّقٍ وَإِنَّمَا حَدَثَ زَوَالُ الْعَقْلِ عِنْدَ الْوَارِدَاتِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى بَعْضِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَإِنْ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ مُسْتَلْزِمَةً لِمُوَافَقَةِ الْمَحْبُوبِ فِي مَحْبُوبِهِ وَمَكْرُوهِهِ وَوِلَايَتِهِ وَعَدَاوَتِهِ فَمِن المَعْلُومِ أَنَّ مَنْ