ابن تيمية

109

مجموعة الفتاوى

الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ يَزُولُ عَنْ الْقَلْبِ وَإِنْ حَصَلَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ الْعَمَلُ فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُضْطَرُّونَ إلَى هَذَا الدُّعَاءِ ؛ وَلِهَذَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَلَيْسُوا إلَى شَيْءٍ مِن الدُّعَاءِ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إلَيْهِ وَإِذَا حَصَلَ الْهُدَى إلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ حَصَلَ النَّصْرُ وَالرِّزْقُ وَسَائِرُ مَا تَطْلُبُ النُّفُوسُ مِن السَّعَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ حَيَاةَ الْقَلْبِ وَحَيَاةَ غَيْرِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ أَوْ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ كَمَا يَظُنُّ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن النُّظَّارِ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ . قَالُوا : إنَّ حَيَاتَهُ أَنَّهُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ وَيَقْدِرُ بَلْ الْحَيَاةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَهِيَ أَيْضاً مُسْتَلْزِمَةٌ لِذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ شُعُورٌ وَإِرَادَةٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ بِقُدْرَةِ وَكُلُّ مَا لَهُ عِلْمٌ وَإِرَادَةٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ فَهُوَ حَيٌّ . وَالْحَيَاءُ مُشْتَقٌّ مِن الحَيَاةِ ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ الْحَيَّ يَكُونُ صَاحِبُهُ حَيّاً فِيهِ حَيَاءً يَمْنَعُهُ عَنْ الْقَبَائِحِ فَإِنَّ حَيَاةَ الْقَلْبِ هِيَ الْمَانِعَةُ مِن القَبَائِحِ الَّتِي تُفْسِدُ الْقَلْبَ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَيَاءُ مِن الإِيمَانِ } وَقَالَ : { الْحَيَاءُ وَالْعَيُّ شُعْبَتَانِ مِن الإِيمَانِ . وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِن النِّفَاقِ } فَإِنَّ الْحَيَّ يَدْفَعُ مَا يُؤْذِيهِ ؛ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا حَيَاةَ فِيهِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى وَقِحاً وَالْوَقَاحَةُ الصَّلَابَةُ وَهُوَ الْيُبْسُ الْمُخَالِفُ لِرُطُوبَةِ الْحَيَاةِ فَإِذَا كَانَ وَقِحاً يَابِساً صَلِيبَ الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ حَيَاةٌ تُوجِبُ حَيَاءَهُ ، وَامْتِنَاعُهُ مِن القُبْحِ كَالْأَرْضِ