ابن تيمية

64

مجموعة الفتاوى

وَتَبَيُّنُ الْأَشْيَاءِ لِلْقَلْبِ ضِدُّ اشْتِبَاهِهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ } - الْحَدِيثُ " . وَقَدْ قُرِئَ قَوْله تَعَالَى { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ أَيْ وَلِتَتَبَيَّنَ أَنْتَ سَبِيلَهُمْ . فَالْإِنْسَانُ يَسْتَبِينُ الْأَشْيَاءَ . وَهُمْ يَقُولُونَ : قَدْ بَانَ الشَّيْءُ وَبَيَّنْته وَتَبَيَّنَ الشَّيْءُ وَتَبَيَّنْته وَاسْتَبَانَ الشَّيْءُ وَاسْتَبَنْته كُلُّ هَذَا يُسْتَعْمَلُ لَازِماً وَمُتَعَدِّياً . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا } [ و ] هُوَ هُنَا مُتَعَدٍّ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ : { بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } أَيْ مُتَبَيِّنَةٍ . فَهُنَا هُوَ لَازِمٌ . وَالْبَيَانُ كَالْكَلَامِ يَكُونُ مَصْدَرُ بَانَ الشَّيْءُ بَيَاناً وَيَكُونُ اسْمَ مَصْدَرٍ لبين كَالْكَلَامِ وَالسَّلَامِ لسلم وَكَلَّمَ فَيَكُونُ الْبَيَانُ بِمَعْنَى تَبَيُّنِ الشَّيْءِ . وَيَكُونُ بِمَعْنَى بَيَّنْت الشَّيْءَ : أَيْ أَوْضَحْته . وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ مِن البَيَانِ لَسِحْراً } " . وَالْمَقْصُودُ ببيان الْكَلَامِ حُصُولُ الْبَيَانِ لِقَلْبِ الْمُسْتَمِعِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الشَّيْءُ وَيَسْتَبِينَ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ } الْآيَةُ . وَمَعَ هَذَا فَاَلَّذِي لَا يَسْتَبِينُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } وَقَالَ { وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وَقَالَ : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } وَقَالَ : { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } وَقَالَ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } وَقَالَ : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ