ابن تيمية

103

مجموعة الفتاوى

ثُمَّ هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَاتِ مِنْهَا بَدِيهِيٌّ وَمِنْهَا نَظَرِيٌّ وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا نَظَرِيَّةً لِافْتِقَارِ النَّظَرِيِّ إلَى الْبَدِيهِيِّ وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي مَا تَقَدَّمَ فِي التَّصَوُّرَاتِ مِنْ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ فَقَدْ يَكُونُ النَّظَرِيُّ عِنْدَ شَخْصٍ بَدِيهِيّاً عِنْدَ غَيْرِهِ . وَالْبَدِيهِيُّ مِن التَّصْدِيقَاتِ مَا يَكْفِي تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ - مَوْضُوعِهِ وَمَحْمُولِهِ - فِي حُصُولِ تَصْدِيقِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَسَطٍ يَكُونُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الدَّلِيلُ - الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْأَوْسَطُ - سَوَاءٌ كَانَ تَصَوُّرُ الطَّرَفَيْنِ بَدِيهِيّاً أَمْ لَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي قُوَى الْأَذْهَانِ أَعْظَمَ مِنْ تَفَاوُتِهِمْ فِي قُوَى الْأَبْدَانِ . فَمِن النَّاسِ مَنْ يَكُونُ فِي سُرْعَةِ التَّصَوُّرِ وَجَوْدَتِهِ فِي غَايَةٍ يُبَايِنُ بِهَا غَيْرَهُ مُبَايَنَةً كَثِيرَةً . وَحِينَئِذٍ فَيَتَصَوَّرُ الطَّرَفَيْنِ تَصَوُّراً تَامّاً بِحَيْثُ يَتَبَيَّنُ بِذَلِكَ التَّصَوُّرِ التَّامِّ اللَّوَازِمُ الَّتِي لَا تَتَبَيَّنُ لِمَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ وَكَوْنُ الْوَسَطِ الَّذِي هُوَ الدَّلِيلُ قَدْ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ فِي بَعْضِ الْقَضَايَا بَعْضُ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ أَمْرٌ بَيِّنٌ فَإِنَّ كَثِيراً مِن النَّاسِ تَكُونُ عِنْدَهُ الْقَضِيَّةُ حِسِّيَّةً أَوْ مُجَرَّبَةً أَوْ بُرْهَانِيَّةً أَوْ مُتَوَاتِرَةً وَغَيْرُهُ إنَّمَا عَرَفَهَا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ . وَلِهَذَا كَثِيرٌ مِن النَّاسِ لَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ إلَى دَلِيلٍ لِنَفْسِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ وَيُبَيِّنُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ بِأَدِلَّةِ هُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا حَتَّى يَضْرِبَ لَهُ أَمْثَالاً .