ابن تيمية

94

مجموعة الفتاوى

بُعِثُوا بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . ( وَالْجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ مَا حَصَلَ مِن الضَّرَرِ أَمْرٌ مَغْمُورٌ فِي جَنْبِ مَا حَصَلَ مِن النَّفْعِ كَالْمَطَرِ الَّذِي عَمَّ نَفْعُهُ إذَا خَرِبَ بِهِ بَعْضُ الْبُيُوتِ أَوْ احْتَبَسَ بِهِ بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ وَالْمُكْتَسِبِينَ كَالْقَصَّارِينَ وَنَحْوِهِمْ وَمَا كَانَ نَفْعُهُ وَمَصْلَحَتُهُ عَامَّةً كَانَ خَيْراً مَقْصُوداً وَرَحْمَةً مَحْبُوبَةً وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ . وَهَذَا الْجَوَابُ أَجَابَ بِهِ طَوَائِفُ مِن المُسْلِمِينَ وَأَهْلُ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ مِن الحَنَفِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَمِن الكَرَّامِيَة وَالصُّوفِيَّةِ وَهُوَ جَوَابُ كَثِيرٍ مِن المُتَفَلْسِفَةِ . وَقَالَ هَؤُلَاءِ : جَمِيعُ مَا يُحْدِثُهُ فِي الْوُجُودِ مِن الضَّرَرِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حِكْمَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } وَقَالَ { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } وَالضَّرَرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ حِكْمَةٌ مَطْلُوبَةٌ لَا يَكُونُ شَرّاً مُطْلَقاً وَإِنْ كَانَ شَرّاً بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ تَضَرَّرَ بِهِ ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِيءُ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إضَافَةُ الشَّرِّ وَحْدَهُ إلَى اللَّهِ ؛ بَلْ لَا يُذْكَرُ الشَّرُّ إلَّا عَلَى أَحَدِ وُجُوهٍ " ثَلَاثَةٍ " إمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي الْعُمُومِ أَفَادَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ وَالْخَلْقِ وَتَضَمَّنَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ حِكْمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْعُمُومِ وَإِمَّا أَنْ يُضَافَ إلَى السَّبَبِ الْفَاعِلِ وَإِمَّا أَنْ يُحْذَفَ فَاعِلُهُ . فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ } وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَسْمَاءُ اللَّهِ الْمُقْتَرِنَةُ كَالْمُعْطِي الْمَانِعِ وَالضَّارِّ النَّافِعِ الْمُعِزِّ الْمُذِلِّ الْخَافِضِ الرَّافِعِ