ابن تيمية
88
مجموعة الفتاوى
لَهَا أَوَّلٌ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِقِدَمِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِناً أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَوْقُوفاً عَلَى حَوَادِثَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِيمَا يَحْدُثُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِن الحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ وَالْمَطَرِ وَالسَّحَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ فَسَادُ حُجَّتِكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ . ثُمَّ يُقَالُ : إمَّا أَنْ تُثْبِتُوا لِمُبْدِعِ الْعَالَمِ حِكْمَةً وَغَايَةً مَطْلُوبَةً وَإِمَّا أَنْ لَا تُثْبِتُوا ؛ فَإِنْ لَمْ تُثْبِتُوا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الغائية وَبَطَلَ مَا تَذْكُرُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي تَعَالَى فِي خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن المَخْلُوقَاتِ وَ ( أَيْضاً فَالْوُجُودُ يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يَفُوقُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ كَإِحْدَاثِهِ سُبْحَانَهُ لِمَا يُحْدِثُهُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقْتَ حَاجَةِ الْخَلْقِ إلَيْهِ كَإِحْدَاثِ الْمَطَرِ وَقْتَ الشِّتَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِحْدَاثِهِ لِلْإِنْسَانِ الْآلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ وَإِنْ أَثْبَتُّمْ لَهُ حِكْمَةً مَطْلُوبَةً - وَهِيَ بِاصْطِلَاحِكُمْ الْعِلَّةُ الغائية - لَزِمَكُمْ أَنْ تُثْبِتُوا لَهُ الْمَشِيئَةَ وَالْإِرَادَةَ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْقَوْلَ : بِأَنَّ الْفَاعِلَ فَعَلَ كَذَا لِحِكْمَةِ كَذَا بِدُونِ كَوْنِهِ مُرِيداً لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ ؛ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ تَنَاقُضاً وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمَ ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْإِرَادَةَ وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْقُدْرَةَ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَمَّا التَّقْدِيرُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنَّهُ فَعَلَ الْمَفْعُولَاتِ وَأَمَرَ بِالْمَأْمُورَاتِ لِحِكْمَةِ