ابن تيمية
68
مجموعة الفتاوى
فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } { وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى } { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } } . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضاً { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْلَمْ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَقَالَ : نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ } فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَأَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَتَّكِلُوا عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَيَدَعُوا الْعَمَلَ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُلْحِدُونَ . وَقَالَ : كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَإِنَّ أَهْلَ السَّعَادَةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يَكُونُ مِن البَيَانِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْلَمُ الْأُمُورَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَدْ جَعَلَ لِلْأَشْيَاءِ أَسْبَاباً تَكُونُ بِهَا فَيَعْلَمُ أَنَّهَا تَكُونُ بِتِلْكَ الْأَسْبَابِ كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يُولَدُ لَهُ بِأَنْ يَطَأَ امْرَأَةً فَيُحْبِلَهَا فَلَوْ قَالَ هَذَا : إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يُولَدُ لِي فَلَا حَاجَةَ إلَى الْوَطْءِ كَانَ أَحْمَقَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِمَا يُقَدِّرُهُ مِن الوَطْءِ وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا يُنْبِتُ لَهُ الزَّرْعَ بِمَا يَسْقِيهِ مِن المَاءِ وَيَبْذُرُهُ مِن الحَبِّ فَلَوْ قَالَ : إذَا عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَذْرِ كَانَ جَاهِلاً ضَالّاً ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا يَشْبَعُ بِالْأَكْلِ وَهَذَا يُرْوَى بِالشُّرْبِ وَهَذَا يَمُوتُ بِالْقَتْلِ فَلَا بُدَّ مِن الأَسْبَابِ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تَكُونُ بِهَا .