ابن تيمية

30

مجموعة الفتاوى

يَزَالُ قَادِراً عَلَى مَا يَشَاؤُهُ بِمَشِيئَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إذَا شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَهَذَا قَوْلُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد . إلَى أَنْ قَالَ : وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقاً عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : { وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً } { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً } { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً } فَكَأَنَّهُ كَانَ فَمَضَى فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ { وَكَانَ اللَّهُ } { وَكَانَ اللَّهُ } فَإِنَّهُ يُجِلُّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَسَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ لَمْ يُجِلَّهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَكَانَ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ . رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ مُسْنَداً مَوْصُولاً وَرَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضاً فِي تَفْسِيرِهِ وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ عَبْدٍ . وَالْمَقْصُودُ هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى تَنَازُعِ النَّاسِ فِي " مَسْأَلَةِ الْقُدْرَةِ " . وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا يُثْبِتُ لِلَّهِ قُدْرَةً وَلَا يُثْبِتُهُ قَادِراً فالْجَهْمِيَّة وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ الْمُجَبِّرَةُ وَالنَّافِيَةُ : حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ : إنَّهُ لَيْسَ قَادِراً وَلَيْسَ لَهُ الْمُلْكُ فَإِنَّ الْمُلْكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْقُدْرَةَ ؛ أَوْ الْمَقْدُورَ ؛ أَوْ كِلَاهُمَا وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا بُدَّ مِن القُدْرَةِ ؛ فَمَنْ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ الْقُدْرَةَ حَقِيقَةً لَمْ يُثْبِتْ لَهُ مُلْكاً ؛ كَمَا لَا يُثْبِتُونَ لَهُ حَمْداً . إلَى أَنْ قَالَ : وَ ( أَيْضاً فَالْقَدِيمُ الْأَزَلِيُّ : الْقَيُّومُ الصَّمَدُ الْوَاجِبُ الْوُجُودُ بِنَفَسِهِ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ ؛ أَحَقُّ بِالْكَمَالِ مِن المُمْكِنِ الْمُحْدَثِ الْمُفْتَقِرِ ؛ فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَادِراً عَلَى الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ ؛ وَالْقَيُّومُ