ابن تيمية

126

مجموعة الفتاوى

شَيْءٍ كَانَ كُلُّ كَلَامٍ مَوْجُودٍ كَلَامَهُ وَهَذَا قَوْلُ الْحُلُولِيَّةِ مِن الجَهْمِيَّة كَصَاحِبِ الْفُصُوصِ وَأَمْثَالِهِ وَلِهَذَا يَقُولُونَ : وَكُلُّ كَلَامٍ فِي الْوُجُودِ كَلَامُهُ * سَوَاءٌ عَلَيْنَا نَثْرُهُ وَنِظَامُهُ وَقَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا خَلَقَ صِفَةً فِي مَحَلٍّ كَانَتْ صِفَةً لِذَلِكَ الْمَحَلِّ فَإِذَا خَلَقَ حَرَكَةً فِي مَحَلٍّ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْمُتَحَرِّكُ بِهَا ؛ وَإِذَا خَلَقَ لَوْناً أَوْ رِيحاً فِي جِسْمٍ كَانَ هُوَ الْمُتَلَوِّنَ الْمُتَرَوِّحَ بِذَلِكَ وَإِذَا خَلَقَ عِلْماً أَوْ قُدْرَةً أَوْ حَيَاةً فِي مَحَلٍّ كَانَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ هُوَ الْعَالِمَ الْقَادِرَ الْحَيَّ فَكَذَلِكَ إذَا خَلَقَ إرَادَةً وَحُبّاً وَبُغْضاً فِي مَحَلٍّ كَانَ هُوَ الْمُرِيدَ الْمُحِبَّ الْمُبْغِضَ وَإِذَا خَلَقَ فِعْلاً لِعَبْدِ كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْفَاعِلَ فَإِذَا خَلَقَ لَهُ كَذِباً وَظُلْماً وَكُفْراً كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْكَاذِبَ الظَّالِمَ الْكَافِرَ وَإِنْ خَلَقَ لَهُ صَلَاةً وَصَوْماً وَحَجّاً كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْمُصَلِّي الصَّائِمَ الْحَاجَّ . وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِشَيْءِ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ بَلْ صِفَاتُهُ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ وَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى أُصُولِ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَيَقُولُونَ إنَّ خَلْقَ اللَّهِ لِلسَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَيْسَ هُوَ نَفْسَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ؛ بَلْ الْخَلْقُ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ لَا سِيَّمَا مَذْهَبُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ وَافَقُوهُمْ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ . فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِن الجَهْمِيَّة وَالْقَدَرِيَّةِ نَقَضُوا هَذَا الْأَصْلَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ إنَّ الْخَلْقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَقَالُوا ؛