ابن تيمية

40

مجموعة الفتاوى

وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى . { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا } قِيلَ : حَبْلُ اللَّهِ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَقِيلَ : الْقُرْآنُ وَقِيلَ : عَهْدُهُ وَقِيلَ : طَاعَتُهُ وَأَمْرُهُ وَقِيلَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَكُلُّ هَذَا حَقٌّ . وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَمَدْلُولُ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْكِتَابِ فَالرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَافِقٌ لَهُ وَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَلَيْسَ فِي الْمُؤْمِنِينَ إلَّا مَنْ يُوجِبُ اتِّبَاعَ الْكِتَابِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا سَنَّهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْقُرْآنُ يَأْمُرُ بِاتِّبَاعِهِ فِيهِ وَالْمُؤْمِنُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا حَقّاً مُوَافِقاً لِمَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ لَكِنْ الْمُسْلِمُونَ يَتَلَقَّوْنَ دِينَهُمْ كُلَّهُ عَنْ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ وَحْيُ الْقُرْآنِ وَوَحْيٌ آخَرُ هُوَ الْحِكْمَةُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا إنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ } . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ : { كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالسُّنَّةِ فَيُعَلِّمُهُ إيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ . } فَلَيْسَ كُلُّ مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُفَسَّراً فِي الْقُرْآنِ ؛ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَتَحْلِيلِهِ وَتَحْرِيمِهِ ؛ وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ الْإِيمَانِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُبْغِضُ الْأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } . وَقَوْلُهُ : { آيَةُ الْإِيمَانِ حُبُّ الْأَنْصَارِ وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الْأَنْصَارِ } . فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ مَا قَامَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ أَوَّلِ