ابن تيمية

25

مجموعة الفتاوى

{ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى } سَيَتَّعِظُ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخْشَى اللَّهَ . وَفِي قَوْلِهِ { وَمَا يَتَذَكَّرُ إلَّا مَنْ يُنِيبُ } إنَّمَا يَتَّعِظُ مَنْ يَرْجِعُ إلَى الطَّاعَةِ . وَهَذَا لِأَنَّ التَّذَكُّرَ التَّامَّ يَسْتَلْزِمُ التَّأَثُّرَ بِمَا تَذَكَّرَهُ ؛ فَإِنْ تَذَكَّرَ مَحْبُوباً طَلَبَهُ وَإِنْ تَذَكَّرَ مَرْهُوباً هَرَبَ مِنْهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } . وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { إنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } . فَنَفَى الْإِنْذَارَ عَنْ غَيْرِ هَؤُلَاءِ مَعَ قَوْلِهِ : { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } . فَأَثْبَتَ لَهُمْ الْإِنْذَارَ مِنْ وَجْهٍ وَنَفَاهُ عَنْهُمْ مِنْ وَجْهٍ ؛ فَإِنَّ الْإِنْذَارَ هُوَ الْإِعْلَامُ بِالْمَخُوفِ . فَالْإِنْذَارُ مِثْلُ التَّعْلِيمِ وَالتَّخْوِيفِ فَمَنْ عَلَّمْتَهُ فَتَعَلَّمَ فَقَدْ تَمَّ تَعْلِيمُهُ وَآخَرُ يَقُولُ : عَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ . وَكَذَلِكَ مَنْ خَوَّفْتَهُ فَخَافَ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تَمَّ تَخْوِيفُهُ . وَأَمَّا مَنْ خُوِّفَ فَمَا خَافَ ؛ فَلَمْ يَتِمَّ تَخْوِيفُهُ . وَكَذَلِكَ مَنْ هَدَيْتَهُ فَاهْتَدَى ؛ تَمَّ هُدَاهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } . وَمَنْ هَدَيْتَهُ فَلَمْ يَهْتَدِ - كَمَا قَالَ : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } - فَلَمْ يَتِمَّ هُدَاهُ كَمَا تَقُولُ : قَطَّعْتُهُ فَانْقَطَعَ وَقَطَّعْتُهُ فَمَا انْقَطَعَ . فَالْمُؤَثِّرُ التَّامُّ يَسْتَلْزِمُ أَثَرَهُ : فَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ أَثَرُهُ لَمْ يَكُنْ تَامّاً وَالْفِعْلُ إذَا صَادَفَ مَحَلّاً قَابِلاً تَمَّ وَإِلَّا لَمْ يَتِمَّ . وَالْعِلْمُ بِالْمَحْبُوبِ يُورِثُ طَلَبَهُ وَالْعِلْمُ بِالْمَكْرُوهِ يُورِثُ تَرْكَهُ ؛ وَلِهَذَا يُسَمَّى هَذَا الْعِلْمُ : الدَّاعِيَ وَيُقَالُ : الدَّاعِي مَعَ الْقُدْرَةِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ ، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالْمَطْلُوبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِإِرَادَةِ الْمَعْلُومِ الْمُرَادِ ، وَهَذَا كُلُّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ مَعَ صِحَّةِ الْفِطْرَةِ وَسَلَامَتِهَا وَأَمَّا مَعَ فَسَادِهَا فَقَدْ يُحِسُّ الْإِنْسَانُ بِاللَّذِيذِ فَلَا يَجِدُ لَهُ لَذَّةً بَلْ يُؤْلِمُهُ ، وَكَذَلِكَ يَلْتَذُّ بِالْمُؤْلِمِ لِفَسَادِ الْفِطْرَةِ ، وَالْفَسَادُ