ابن تيمية

85

مجموعة الفتاوى

فَصْلٌ : وَأَمَّا " الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ " فَنَقُولُ : لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْكَمَالُ مُمْكِنَ الْوُجُودِ . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ سَلِيماً عَنْ النَّقْصِ ؛ فَإِنَّ النَّقْصَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يُسَمِّي مَا لَيْسَ بِنَقْصِ نَقْصاً ؛ فَهَذَا يُقَالُ لَهُ إنَّمَا الْوَاجِبُ إثْبَاتُ مَا أَمْكَنَ ثُبُوتُهُ مِن الكَمَالِ السَّلِيمِ عَنْ النَّقْصِ فَإِذَا سَمَّيْت أَنْتَ هَذَا نَقْصاً وَقُدِّرَ أَنَّ انْتِفَاءَهُ يَمْتَنِعُ لَمْ يَكُنْ نَقْصُهُ مِن الكَمَالِ الْمُمْكِنِ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا عِنْدَ مَنْ سَمَّاهُ نَقْصاً مِن النَّقْصِ الْمُمْكِنِ انْتِفَاؤُهُ . فَإِذَا قِيلَ : خَلْقُ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْأَزَلِ صِفَةُ كَمَالِ فَيَجِبُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُ قِيلَ : وُجُودُ الْمَخْلُوقَاتِ كُلِّهَا أَوْ وَاحِدٍ مِنْهَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا ؛ أَوْ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْأَزَلِ مُمْتَنِعٌ . وَوُجُودُ الْحَوَادِثِ الْمُتَعَاقِبَةِ كُلِّهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ سَوَاءٌ قُدِّرَ ذَلِكَ الْآنَ مَاضِياً أَوْ مُسْتَقْبَلاً ؛ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيّاً وَمَا يَسْتَلْزِمُ الْحَوَادِثَ الْمُتَعَاقِبَةَ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيّاً فَلَيْسَ هَذَا مُمْكِنَ الْوُجُودِ فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ كَمَالاً ؛ لَكِنَّ فِعْلَ الْحَوَادِثِ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ أَكْمَلُ مِن التَّعْطِيلِ عَنْ فِعْلِهَا بِحَيْثُ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ؛ فَإِنَّ الْفَاعِلَ الْقَادِرَ عَلَى الْفِعْلِ أَكْمَلُ مِن الفَاعِلِ الْعَاجِزِ عَنْ الْفِعْلِ .