ابن تيمية

72

مجموعة الفتاوى

وَإِذَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِالشَّيْءِ وَدَلَّ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ : صَارَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ بِخَبَرِهِ . وَمَدْلُولاً عَلَيْهِ بِدَلِيلِهِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ فَيَصِيرُ ثَابِتاً بِالسَّمْعِ وَالْعَقْلِ وَكِلَاهُمَا دَاخِلٌ فِي دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الَّتِي تُسَمَّى " الدَّلَالَةَ الشَّرْعِيَّةَ " . وَثُبُوتُ " مَعْنَى الْكَمَالِ " قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِعِبَارَاتِ مُتَنَوِّعَةٍ دَالَّة عَلَى مَعَانِي مُتَضَمِّنَةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى . فَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ إثْبَاتِ الْحَمْدِ لَهُ وَتَفْصِيلِ مَحَامِدِهِ وَأَنَّ لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى وَإِثْبَاتِ مَعَانِي أَسْمَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ : كُلُّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . وَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ " الْكَامِلِ " فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } { اللَّهُ الصَّمَدُ } أَنَّ " الصَّمَدَ " هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْكَمَالِ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ وَالْحَكَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ وَالْغَنِيُّ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ وَالْجَبَّارُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ وَالْعَالِمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَهُوَ الشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى . وَهَذِهِ صِفَةٌ لَا تَنْبَغِي إلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَا كَمِثْلِهِ شَيْءٌ . وَهَكَذَا سَائِرُ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِن الأُمَّةِ نَازَعَ فِي هَذَا الْمَعْنَى ؛ بَلْ هَذَا الْمَعْنَى مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ النَّاسِ ؛ بَلْ هُمْ مَفْطُورُونَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْخَالِقِ ؛ فَإِنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى أَنَّهُ أَجَلُّ وَأَكْبَرُ وَأَعْلَى وَأَعْلَمُ وَأَعْظَمُ وَأَكْمَلُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ .