ابن تيمية
6
مجموعة الفتاوى
ثُمَّ لَا يَخْلُو مَعَ ذَلِكَ : إمَّا أَنَّ رُوحَهُ وَذَاتَهُ تَتَحَرَّكُ أَوْ لَا تَتَحَرَّكُ : وَإِذَا تَحَرَّكَتْ : فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهَا إلَى ذَاتِ اللَّهِ أَوْ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَتْ إلَى ذَاتِ اللَّهِ بَقِيَ النَّظَرُ فِي قُرْبِ اللَّهِ إلَيْهِ وَدُنُوِّهِ وَإِتْيَانِهِ وَمَجِيئِهِ ؛ إمَّا جَزَاءً عَلَى قُرْبِ الْعَبْدِ وَإِمَّا ابْتِدَاءً كَنُزُولِهِ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا . فَالْأَوَّلُ : قَوْلُ " الْمُتَفَلْسِفَةِ " الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ الرُّوحَ لَا دَاخِلَ الْبَدَنِ وَلَا خَارِجَهُ وَإِنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ وَلَا بِالسُّكُونِ وَقَدْ تَبِعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْمِلَّةِ . فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ قُرْبُ الْعَبْدِ وَدُنُوُّهُ إزَالَةُ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ عَنْ نَفْسِهِ وَتَكْمِيلُهَا بِالصِّفَاتِ الْحَسَنَةِ الْكَرِيمَةِ حَتَّى تَبْقَى مُقَارِبَةً لِلرَّبِّ مُشَابِهَةً لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَيَقُولُونَ : الْفَلْسَفَةُ التَّشَبُّهُ بِالْإِلَهِ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ ؛ فَأَمَّا حَرَكَةُ الرُّوحِ فَمُمْتَنِعَةٌ عِنْدَهُمْ . وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ : فِي قُرْبِ الْمَلَائِكَةِ . وَاَلَّذِي أَثْبَتُوهُ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ عَنْ الْعُيُوبِ وَتَكْمِيلِهَا بِالْمَحَاسِنِ حَقٌّ فِي نَفْسِهِ ؛ لَكِنَّ نَفْيَهُمْ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ خَطَأٌ ؛ لَكِنَّهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِحَرَكَةِ جِسْمِهِ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا آثَارُ الرَّبِّ كَالْمَسَاجِدِ وَالسَّمَوَاتِ وَالْعَارِفِينَ . وَعِنْدَ هَؤُلَاءِ مِعْرَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هُوَ انْكِشَافُ حَقَائِقِ الْكَوْنِ لَهُ كَمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَمَنْ اتَّبَعَهُ كَعَيْنِ الْقُضَاةِ وَابْنِ الْخَطِيبِ فِي " الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ " .