ابن تيمية
42
مجموعة الفتاوى
فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَنْفِي الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ - كَمَا تَفْعَلُهُ غُلَاةُ الْجَهْمِيَّة وَالْقَرَامِطَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ - فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ مَوْجُودٌ . وَحِينَئِذٍ فَتَقُولُ لَهُ الْنُّفَاةِ : أَنْتَ مُجَسِّمٌ مُشَبِّهٌ حَشْوِيٌّ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْجُوداً فَقَدْ شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي مَعْنَى الْوُجُودِ وَهُوَ التَّشْبِيهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ إلَّا جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمِ ؛ فَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ : لَا مَوْجُودَ وَلَا مَعْدُومَ وَلَا حَيَّ وَلَا مَيِّتَ أَوْ لَا مَوْجُودَ وَلَا لَا مَوْجُودَ وَلَا حَيَّ وَلَا لَا حَيَّ فَيَلْزَمُ نَفْيُ النَّقِيضَيْنِ جَمِيعاً وَمَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّقِيضَيْنِ وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ فِي بَدِيهَةِ الْعَقْلِ مَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِمْ تَشْبِيهُهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ ؛ لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودِ وَلَا مَعْدُومٍ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةً أَصْلاً - لَا مَوْجُودَةً وَلَا مَعْدُومَةً - بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُقَدَّرٌ فِي الْأَذْهَانِ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْأَعْيَانِ هَذَا مَعَ مَا الْتَزَمَهُ مِن الكُفْرِ الصَّرِيحِ . وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ نَفَى الْوُجُودَ الْوَاجِبَ الْقَدِيمَ بِالْكُلِّيَّةِ لَكَانَ مَعَ الْكُفْرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ كُلِّ كُفْرٍ قَدْ كَابَرَ الْقَضَايَا الضَّرُورِيَّةَ فَإِنَّا نَشْهَدُ الْمَوْجُودَاتِ وَنَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا مُحْدَثٌ وَإِمَّا وَاجِبٌ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ وَإِمَّا مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ . وَكُلُّ مُحْدَثٍ وَمُمْكِنٍ بِنَفْسِهِ مَوْجُودٌ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ فَالْوُجُودُ بِالضَّرُورَةِ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ مَوْجُودٍ قَدِيمٍ . وَمِن الوُجُودِ مَا هُوَ مُمْكِنٌ مُحْدَثٌ : كَمَا نَشْهَدُهُ فِي الْمُحْدَثَاتِ مِن الحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ . فَإِذَا عُلِمَ بِضَرُورَةِ الْعُقُولِ أَنَّ الْوُجُودَ فِيهِ مَا هُوَ مَوْجُودٌ قَدِيمٌ وَاجِبٌ بِنَفْسِهِ وَفِيهِ مَا هُوَ مُحْدَثٌ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ بِنَفْسِهِ فَهَذَانِ الْمَوْجُودَانِ اتَّفَقَا فِي مُسَمَّى