ابن تيمية
25
مجموعة الفتاوى
وَأَنَّ " الْجَنَّةَ " وَ " النَّارَ " عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ لِتَفْهِيمِ الْمَعَادِ الرُّوحَانِيِّ وَأَنَّ " الْمَلَائِكَةَ " وَ " الْجِنَّ " هِيَ أَعْرَاضٌ وَهِيَ قُوَى النَّفْسِ الصَّالِحَةِ وَالْفَاسِدَةِ وَأَنَّ " الرُّوحَ " لَا تَتَحَرَّكُ ؛ وَإِنَّمَا يَنْكَشِفُ لَهُ حَقَائِقُ الْكَوْنِ فَيَكُونُ ذَلِكَ قُرْبَهَا إلَى اللَّهِ وَأَنَّ مِعْرَاجَ النَّبِيِّ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ هَذَا النَّفْيُ وَالتَّكْذِيبُ كُفْرٌ . وَكَذَلِكَ مَا يُثْبِتُهُ الْمُتَكَلِّمَةُ : مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ يَتَقَرَّبُ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ إلَى " الْأَمَاكِنِ الْمُفَضَّلَةِ " الَّتِي يَظْهَرُ فِيهَا نُورُ الرَّبِّ كَالسَّمَوَاتِ وَالْمَسَاجِدِ وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ فَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لَكِنَّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتَقَرَّبُونَ إلَى ذَاتِ اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ ؛ هَذَا بَاطِلٌ . وَإِنَّمَا الصَّوَابُ إثْبَاتُ ذَلِكَ وَإِثْبَاتُ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ أَيْضاً مِنْ قُرْبِ الْعَبْدِ إلَى رَبِّهِ وَتَجَلِّي الرَّبِّ لِعِبَادِهِ بِكَشْفِ الْحُجُبِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِمْ وَالْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُمْ وَأَنَّ الْقُرْبَ وَالتَّجَلِّيَ فِيهِ عِلْمُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ ظُهُورُ الْحَقِّ لَهُ وَعَمَلُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ دُنُوُّهُ إلَى رَبِّهِ . وَقَدْ تَكَلَّمْت فِي دُنُوِّ الرَّبِّ وَقُرْبِهِ وَمَا فِيهِ مِن النِّزَاعِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ . ثُمَّ بَعْضُ الْمُتَسَنِّنَةِ وَالْجُهَّالِ : إذَا رَأَوْا مَا يُثْبِتُهُ أُولَئِكَ مِن الحَقِّ : قَدْ يَفِرُّونَ مِن التَّصْدِيقِ بِهِ ؛ وَإِنْ كَانَ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُنَازِعُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي ثُبُوتِهِ ؛ بَلْ الْجَمِيعُ صَحِيحٌ . وَرُبَّمَا كَانَ الْإِقْرَارُ بِمَا اُتُّفِقَ عَلَى إثْبَاتِهِ أَهَمَّ مِن الإِقْرَارِ بِمَا حَصَلَ فِيهِ نِزَاعٌ ؛ إذْ ذَلِكَ أَظْهَرُ وَأَبْيَنُ وَهُوَ أَصْلٌ لِلْمُتَنَازَعِ فِيهِ ؛ فَيَحْصُلُ بَعْضُ الْفِتْنَةِ فِي نَوْعِ