ابن تيمية
17
مجموعة الفتاوى
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْجِهَاتِ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ إضَافَةُ تَخْصِيصٍ وَتَشْرِيفٍ ؛ كَأَنَّهُ قَالَ جِهَةُ اللَّهِ وَقِبْلَةُ اللَّهِ . وَلَكِنْ مِن النَّاسِ مَنْ يُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ جِهَةُ اللَّهِ أَيْ قِبْلَةُ اللَّهِ وَلَكِنْ يَقُولُ : هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ وَعَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ } وَكَمَا فِي قَوْلِهِ : { لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلاً عَلَى عَبْدِهِ بِوَجْهِهِ مَا دَامَ مُقْبِلاً عَلَيْهِ فَإِذَا انْصَرَفَ صَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهُ } وَيَقُولُ : إنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ . فَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ . وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ : " فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ " لَمْ يَكُنْ هَذَا مِن التَّأْوِيلِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ ؛ الَّذِي يُنْكِرُهُ مُنْكِرُو تَأْوِيلِ آيَاتِ الصِّفَاتِ ؛ وَلَا هُوَ مِمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَيْهِمْ الْمُثْبِتَةُ فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ وَالْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ دَالَّةً عَلَى ثُبُوتِ صِفَةٍ فَذَاكَ شَيْءٌ آخَرُ وَيَبْقَى دَلَالَةُ قَوْلِهِمْ : { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } عَلَى فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْقِبْلَةِ وَجْهاً بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَجْهَ وَالْجِهَةَ وَاحِدٌ ؟ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ وَجْهَ اللَّهِ فَقَدْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ اللَّهِ ؟ فَهَذَا فِيهِ بُحُوثٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا . ( وَالْمِثَالُ الثَّانِي : لَفْظَةُ " الْأَمْرِ " فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ بِقَوْلِهِ : { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وَقَالَ : { أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ } وَاسْتَدَلَّ طَوَائِفُ مِن السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ بَلْ هُوَ كَلَامُهُ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا صَارَ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَطْرُدُ ذَلِكَ فِي لَفْظِ الْأَمْرِ حَيْثُ وَرَدَ فَيَجْعَلُهُ صِفَةً طَرْداً لِلدَّلَالَةِ وَيَجْعَلُ دَلَالَتَهُ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ نَقْضاً لَهَا