ابن تيمية

10

مجموعة الفتاوى

مَجِيءُ الْيَقِينِ وَمَجِيءُ السَّاعَةِ ، وَفِي جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ يَكُونُ بِكَشْفِ حُجُبٍ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِالْعَبْدِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { حِجَابُهُ النُّورُ - أَوْ النَّارُ - لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سَبَحَاتِ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ } فَهِيَ حُجُبٌ تَحْجُبُ الْعِبَادَ عَنْ الْإِدْرَاكِ كَمَا قَدْ يَحْجُبُ الْغَمَامُ وَالسُّقُوفُ عَنْهُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ . فَإِذَا زَالَتْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . وَأَمَّا حَجْبُهَا لِلَّهِ عَنْ أَنْ يُرَى وَيُدْرَكَ فَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ . وَهُوَ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ السَّوْدَاءِ وَلَكِنْ يَحْجُبُ أَنْ تَصِلَ أَنْوَارُهُ إلَى مَخْلُوقَاتِهِ كَمَا قَالَ : { لَوْ كَشَفَهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ } فَالْبَصَرُ يُدْرِكُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ وَأَمَّا السُّبُحَاتُ فَهِيَ مَحْجُوبَةٌ بِحِجَابِهِ النُّورَ أَوْ النَّارَ . وَالْجَهْمِيَّة لَا تُثْبِتُ لَهُ حَجْباً أَصْلاً ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَرْوُونَ الْأَثَرَ الْمَكْذُوبَ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّهُ سَمِعَ قَصَّاباً يَحْلِفُ لَا وَاَلَّذِي احْتَجَبَ بِسَبْعِ سَمَوَاتٍ فَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِي ؟ قَالَ لَا ؛ وَلَكِنَّك حَلَفْت بِغَيْرِ اللَّهِ " . فَهَذَا لَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ عَلِيٌّ قَدْ فَهِمَ مِن المُتَكَلِّمِ أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ مُحْتَجِبٌ عَنْ إدْرَاكِهِ لِخَلْقِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعاً ؛ بِخِلَافِ احْتِجَابِهِ عَنْ إدْرَاكِ خَلْقِهِ لَهُ .