ابن تيمية
66
مجموعة الفتاوى
وَقَالَ : قَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ : أَنَّ اللَّهَ عَنَى أَنْ يُنْجِيَهُ بِبَدَنِهِ مِن النَّارِ لِأَنَّهُ آمَنَ عِنْدَ الْغَرَقِ وَقَالَ : إنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَدْخُلُونَ النَّارَ دُونَهُ وَقَالَ : { فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } وَقَالَ : { وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } وَلَمْ يَقُلْ بِفِرْعَوْنَ . قَالَ : وَهَكَذَا الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى } كَذَلِكَ قَوْلُهُ : { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } فَأَقَرَّ التِّلَاوَةَ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْعِلْمِ مِن اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنْ يَسْتَأْنِفَ عِلْماً بِشَيْءِ لِأَنَّهُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عِلْمٌ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَهُ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَهُ - نَجِدُهُ ضَرُورَةً - قَالَ : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } قَالَ : وَإِنَّمَا قَوْلُهُ { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ } إنَّمَا يُرِيدُ حَتَّى نَرَاهُ فَيَكُونُ مَعْلُوماً مَوْجُوداً ؛ لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ مَعْدُوماً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَكُونَ ؛ وَيَعْلَمُهُ مَوْجُوداً كَانَ قَدْ كَانَ ؛ فَيَعْلَمُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعْدُوماً مَوْجُوداً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَهَذَا مُحَالٌ . وَذَكَرَ كَلَاماً فِي هَذَا فِي الْإِرَادَةِ . إلَى أَنْ قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَحْدُثَ لَهُ سَمْعاً وَلَا تَكَلُّفَ بِسَمْعِ مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ " أَهْلِ السُّنَّةِ " أَنَّ اللَّهَ اسْتِمَاعاً فِي ذَاتِهِ فَذَهَبُوا إلَى أَنَّ مَا يَعْقِلُ مِنْ أَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُمْ عِلْمُ سَمْعٍ لِمَا كَانَ مِنْ قَوْلٍ ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ إذَا سَمِعَ حَدَثَ لَهُ عَقْلٌ فَهِمَ عَمَّا أَدْرَكَتْهُ أُذُنُهُ مِن الصَّوْتِ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } لَا يَتَحَدَّثُ بَصَراً مُحْدَثاً فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الشَّيْءُ فَيَرَاهُ مُكَوَّناً كَمَا لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ .