ابن تيمية

40

مجموعة الفتاوى

وَأَمَّا الْخَالِقُ - جَلَّ جَلَالُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَلَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ فَالتَّفَكُّرُ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى الْقِيَاسِ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ فَيَذْكُرُهُ الْعَبْدُ . وَبِالذِّكْرِ وَبِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ : يَحْصُلُ لِلْعَبْدِ مِن العِلْمِ بِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ ؛ لَا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ التَّفْكِيرِ وَالتَّقْدِيرِ - أَعْنِي مِن العِلْمِ بِهِ نَفْسِهِ ؛ فَإِنَّهُ الَّذِي لَا تَفْكِيرَ فِيهِ . فَأَمَّا الْعِلْمُ بِمَعَانِي مَا أَخْبَرَ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ : فَيَدْخُلُ فِيهَا التَّفْكِيرُ وَالتَّقْدِيرُ كَمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَوُّفِ يَأْمُرُونَ بِمُلَازَمَةِ الذِّكْرِ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ هُوَ بَابُ الْوُصُولِ إلَى الْحَقِّ . وَهَذَا حَسَنٌ إذَا ضَمُّوا إلَيْهِ تَدَبُّرَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّبَاعَ ذَلِكَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَرْبَابِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ يَأْمُرُونَ بِالتَّفَكُّرِ وَالنَّظَرِ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقَ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ . وَالنَّظَرُ صَحِيحٌ إذَا كَانَ فِي حَقٍّ وَدَلِيلٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَكُلٌّ مِن الطَّرِيقَيْنِ فِيهَا حَقٌّ لَكِنْ يَحْتَاجُ إلَى الْحَقِّ الَّذِي فِي الْأُخْرَى وَيَجِبُ تَنْزِيهُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَمَّا دَخَلَ فِيهَا مِن البَاطِلِ وَذَلِكَ كُلُّهُ بِاتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ ؛ وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ؛ وَبَيَّنَّا طُرُقَ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالذِّكْرِ ؛ وَطَرِيقَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ ؛ وَمَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ مَقْبُولٍ وَمَرْدُودٍ ؛ وَبَيَّنَّا مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ مِن الطَّرِيقِ الْكَامِلَةِ الْجَامِعَةِ لِكُلِّ حَقٍّ . وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ ذَلِكَ .