ابن تيمية
29
مجموعة الفتاوى
وَكَيْفَ يَلِيقُ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ أَنْ يَنْسُبُوا إلَى الْحَشْوِ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ ؟ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ عِلْماً وَيَقِيناً وَطُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً ؛ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ؛ وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ؛ وَهُمْ بِالْحَقِّ يُوقِنُونَ لَا يَشُكُّونَ وَلَا يَمْتَرُونَ . فَأَمَّا مَا أُوتِيَهُ عُلَمَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَخَوَاصُّهُمْ مِن اليَقِينِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْهُدَى : فَأَمْرٌ يَجِلُّ عَنْ الْوَصْفِ . وَلَكِنْ عِنْدَ عَوَامِّهِمْ مِن اليَقِينِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ لِأَئِمَّةِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ . وَهَذَا ظَاهِرٌ مَشْهُودٌ لِكُلِّ أَحَدٍ . غَايَةُ مَا يَقُولُهُ أَحَدُهُمْ : أَنَّهُمْ جَزَمُوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَصَمَّمُوا بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَإِنَّمَا مَعَهُمْ التَّقْلِيدُ . وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَكُونُ فِي كَثِيرٍ مِن العَامَّةِ . لَكِنَّ جَزْمَ الْعِلْمِ غَيْرُ جَزْمِ الْهَوَى . فَالْجَازِمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَالِمٍ بِمَا جَزَمَ بِهِ وَالْجَازِمُ بِعِلْمِ يَجِدُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ عَالِمٌ ؛ إذْ كَوْنُ الْإِنْسَانِ عَالِماً وَغَيْرَ عَالِمٍ مِثْلَ كَوْنِهِ سَامِعاً وَمُبْصِراً وَغَيْرَ سَامِعٍ وَمُبْصِرٍ فَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ : مِثْلَ مَا يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ كَوْنَهُ مُحِبّاً وَمُبْغِضاً وَمُرِيداً وَكَارِهاً ؛ وَمَسْرُوراً وَمَحْزُوناً ؛ وَمُنَعَّماً وَمُعَذَّباً ؛ وَغَيْرَ ذَلِكَ . وَمَنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ يَعْلَمُ مَعَ كَوْنِهِ يَعْلَمُ - فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ عَلِمَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ وَذَلِكَ نَظِيرُ مَنْ شَكَّ فِي كَوْنِهِ سَمِعَ وَرَأَى ؛ أَوْ جَزَمَ بِأَنَّهُ سَمِعَ وَرَأَى مَا لَمْ يَسْمَعْهُ وَيَرَاهُ . وَالْغَلَطُ أَوْ الْكَذِبُ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ لَكِنَّ هَذَا الْغَلَطَ أَوْ الْكَذِبَ الْعَارِضَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ جَازِماً بِمَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَجْزِمُ بِمَا يَجِدُهُ مِن الطُّعُومِ والأراييح وَإِنْ كَانَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِن الانْحِرَافِ مَا يَجِدُ بِهِ الْحُلْوَ مُرّاً .