ابن تيمية
137
مجموعة الفتاوى
فِي " أَبْوَابِ أُصُولِ الدِّينِ " فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ طَائِفَةٌ . إذْ كَانَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ - مِثْلُ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِمْ - إنَّمَا تَكَلَّمُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ وَفِيهِ الْهُدَى وَالشِّفَاءُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِطَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ : يَعْتَاضُ عَنْهُ بِمَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ . وَهَذَا سَبَبُ ظُهُورِ الْبِدَعِ فِي كُلِّ أُمَّةٍ وَهُوَ خَفَاءُ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ فِيهِمْ . وَبِذَلِكَ يَقَعُ الْهَلَاكُ . وَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ : الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ " السُّنَّةُ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ " وَهَذَا حَقٌّ . فَإِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ إنَّمَا رَكِبَهَا مَنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ وَاتَّبَعَهُمْ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْكَبْهَا فَقَدْ كَذَّبَ الْمُرْسَلِينَ . وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ هُوَ اتِّبَاعُ الرِّسَالَةِ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَتَابِعُهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ رَكِبَ مَعَ نُوحٍ السَّفِينَةَ بَاطِناً وَظَاهِراً . وَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ اتِّبَاعِ الرِّسَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَخَلِّفِ عَنْ اتِّبَاعِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَرُكُوبِ السَّفِينَةِ مَعَهُ . وَهَكَذَا إذَا تَدَبَّرَ الْمُؤْمِنُ الْعَلِيمُ سَائِرَ مَقَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الأُمَمِ الَّتِي فِيهَا ضَلَالٌ وَكُفْرٌ وَجَدَ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ كَاشِفَين لِأَحْوَالِهِمْ مُبَيِّنَينَ لِحَقِّهِمْ مُمَيِّزَينَ بَيْنَ حَقِّ ذَلِكَ وَبَاطِلِهِ . وَالصَّحَابَةُ كَانُوا أَعْلَمَ الْخَلْقِ بِذَلِكَ كَمَا كَانُوا أَقْوَمَ الْخَلْقِ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنّاً فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ فَإِنَّ الْحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ : كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوباً وَأَعْمَقَهَا عِلْماً وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفاً قَوْمٌ اخْتَارَهُمْ اللَّهُ