ابن تيمية
118
مجموعة الفتاوى
قِيلَ : قَوْلُكُمْ " عَقْلٌ وَنَفْسٌ " لُغَةٌ لَكُمْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجَمَتِهَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَرَبِيّاً فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجَمَةِ الْمَعْنَى . فَيَقُولُونَ : " الْعَقْلُ " هُوَ الرُّوحُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْمَادَّةِ - وَهِيَ الْجَسَدُ وَعَلَائِقُهَا - سَمَّوْهُ عَقْلاً وَيُسَمُّونَهُ مُفَارِقاً وَيُسَمُّونَ تِلْكَ : الْمُفَارِقَاتِ لِلْمَوَادِّ ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ لِلْأَجْسَادِ ؛ كَمَا أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ إذَا فَارَقَتْ جَسَدَهُ كَانَتْ مُفَارِقَةً لِلْمَادَّةِ الَّتِي هِيَ الْجَسَدُ . " وَالنَّفْسُ " : هِيَ الرُّوحُ الْمُدَبِّرَةُ لِلْجِسْمِ مِثْلُ نَفْسِ الْإِنْسَانِ إذَا كَانَتْ فِي جِسْمِهِ . فَمَتَى كَانَتْ فِي الْجِسْمِ كَانَتْ مُحَرِّكَةً لَهُ . فَإِذَا فَارَقَتْهُ صَارَتْ عَقْلاً مَحْضاً : أَيْ يَعْقِلُ الْعُلُومَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ بِشَيْءِ مِن الأَجْسَامِ فَهَذِهِ الْعُقُولُ وَالنُّفُوسُ . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَحْسَنِ التَّرْجَمَةِ عَنْ مَعْنَى الْعَقْلِ وَالنَّفْسِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يُحَصِّلُونَ ذَلِكَ . قَالُوا : وَأَثْبَتْنَا لِكُلِّ فَلَكٍ نَفْساً : لِأَنَّ الْحَرَكَةَ اخْتِيَارِيَّةٌ فَلَا تَكُونُ إلَّا لِنَفْسِ . وَلِكُلِّ نَفْسٍ عَقْلاً : لِأَنَّ الْعَقْلَ كَامِلٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَرَكَةٍ وَالْمُتَحَرِّكُ يَطْلُبُ الْكَمَالَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فَوْقَهُ مَا يُشَبَّهُ بِهِ وَمَا يَكُونُ عِلَّةً لَهُ . وَلِهَذَا كَانَتْ حَرَكَةُ أَنْفُسِنَا لِلتَّشَبُّهِ بِمَا فَوْقَنَا مِن العُقُولِ . وَكُلُّ ذَلِكَ تَشَبُّهٌ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . وَالْأَوَّلُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا عَقْلٌ . لِأَنَّ النَّفْسَ تَقْتَضِي جِسْماً وَالْجِسْمُ فِيهِ