ابن تيمية
106
مجموعة الفتاوى
فَالصَّحَابَةُ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . وَفِيمَا جَاءَ بِهِ بَيَانُ الْحُجَّةِ عَلَى بُطْلَانِ كُفْرِ كُلِّ كَافِرٍ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِقِيَاسِ صَحِيحٍ أَحَقُّ وَأَحْسَنُ بَيَاناً مِنْ مَقَايِيسِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَأْتُونَهُ بِقِيَاسِ عَقْلِيٍّ لِبَاطِلِهِمْ إلَّا جَاءَهُ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَجَاءَهُ مِن البَيَانِ وَالدَّلِيلِ وَضَرْبِ الْمَثَلِ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ تَفْسِيراً وَكَشْفاً وَإِيضَاحاً لِلْحَقِّ مِنْ قِيَاسِهِمْ . وَجَمِيعُ مَا تَقُولُهُ الصَّابِئَةُ والمتفلسفة وَغَيْرُهُمْ مِن الكُفَّارِ - مِنْ حُكْمٍ أَوْ دَلِيلٍ - يَنْدَرِجُ فِيمَا عَلِمَهُ الصَّحَابَةُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قَوْلِهِ : { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً } { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً } فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ الْقُرْآنَ فَهُوَ مِنْ أَعْدَاءِ الرَّسُولِ وَأَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَا مَفَرَّ عَنْهُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً } { يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً } { لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً } . وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ فِيمَا أَرْسَلَهُ بِهِ لِجَمِيعِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ لِجَمِيعِ النَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ .