ابن تيمية
8
مجموعة الفتاوى
فَسُلِبُوا النَّقِيضَيْنِ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي بَدَاهَةِ الْعُقُولِ ؛ وَحَرَّفُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِن الكِتَابِ وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَوَقَعُوا فِي شَرٍّ مِمَّا فَرُّوا مِنْهُ فَإِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِالْمُمْتَنِعَاتِ إذْ سَلْبُ النَّقِيضَيْنِ كَجَمْعِ النَّقِيضَيْنِ كِلَاهُمَا مِن المُمْتَنِعَاتِ وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ . أَنَّ الْوُجُودَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ وَاجِبٍ بِذَاتِهِ غَنِيٍّ عَمَّا سِوَاهُ ؛ قَدِيمٍ أَزَلِيٍّ ؛ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَلَا الْعَدَمُ فَوَصَفُوهُ بِمَا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فَضْلاً عَنْ الْوُجُوبِ أَوْ الْوُجُودِ أَوْ الْقِدَمِ . وَقَارَبَهُمْ طَائِفَةٌ مِن الفَلَاسِفَةِ وَأَتْبَاعَهُمْ فَوَصَفُوهُ بِالسُّلُوبِ وَالْإِضَافَاتِ دُونَ صِفَاتِ الْإِثْبَاتِ وَجَعَلُوهُ هُوَ الْوُجُودَ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ وَقَدْ عُلِمَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي الذِّهْنِ لَا فِيمَا خَرَجَ عَنْهُ مِن المَوْجُودَاتِ وَجَعَلُوا الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفَ ، فَجَعَلُوا الْعِلْمَ عَيْنَ الْعَالِمِ مُكَابَرَةً لِلْقَضَايَا الْبَدِيهَاتِ وَجَعَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ هِيَ الْأُخْرَى فَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ جَحْداً لِلْعُلُومِ الضَّرُورِيَّاتِ وَقَارَبَهُمْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِن المُعْتَزِلَةِ وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ ؛ فَأَثْبَتُوا لِلَّهِ الْأَسْمَاءَ دُونَ مَا تَتَضَمَّنُهُ مِن الصِّفَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْعَلِيمَ وَالْقَدِيرَ ؛ وَالسَّمِيعَ ؛ وَالْبَصِيرَ ؛ كَالْأَعْلَامِ الْمَحْضَةِ الْمُتَرَادِفَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ سَمِيعٌ بَصِيرٌ بِلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ فَأَثْبَتُوا الِاسْمَ دُونَ مَا تَضَمَّنَهُ مِن الصِّفَاتِ