ابن تيمية

69

مجموعة الفتاوى

وَذَلِكَ نَظِيرُ مَنْ وُصِفَ لَهُ مُلْكُ مَدِينَةٍ بِأَنْوَاعِ مِن الصِّفَاتِ فَقَدَّمَ حَتَّى رَأَى بَعْضَ شؤونه الَّتِي دَلَّتْهُ عَلَى صِدْقِ الْمُخْبِرِ فِيمَا لَمْ يَشْهَدْ . وَلَسْت أَجْعَلُ مُجَرَّدَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ مُصَدِّقَةً ؛ فَإِنَّ الْمُخْبِرَ قَدْ يُصَدَّقُ فِي بَعْضٍ وَيُخْطِئُ فِي بَعْضٍ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ إخْبَارِ الْمُخْبِرِ - أَيْ رَسُولِ اللَّهِ - وَشُهُودِهِ مِنْهُ مَا يُوجِبُ لَهُ امْتِنَاعَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ كَمَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . فَإِنْ قُلْت : فَمِنْ أَيْنَ لَهُ ابْتِدَاءُ صِحَّةِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ أَصْلاً يُبْنَى عَلَيْهِ وَيَنْتَقِلُ مَعَهُ إلَى مَا بَعْدَهُ ؟ فَأَهْلُ الْقِيَاسِ وَالْوَجْدِ : إنَّمَا تَعِبُوا التَّعَبَ الطَّوِيلَ - فِي تَقْرِيرِ هَذَا الْأَصْلِ - فِي نُفُوسِهِمْ ؛ وَلِهَذَا يُسَمِّي الْمُتَكَلِّمُونَ كُلُّ مَا يُقَرِّرُ الرُّبُوبِيَّةَ وَالنُّبُوَّةَ : الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّظَرِيَّاتِ وَيُسَمِّيهَا أُولَئِكَ الذَّوْقِيَّاتِ والوجديات وَرَأَوْا أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا بِهِ فَمَعْرِفَتُهُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى ذَلِكَ ؛ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ . فَسَمَّوْا تِلْكَ عَقْلِيَّاتٍ وَالْعَقْلِيَّاتُ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ الْمَنْطِقِيِّ . قُلْت . جَوَابُ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا : الْمُعَارَضَةُ بِالْمِثْلِ ؛ فَإِنَّ سَالِكَ سَبِيلِ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ أَوْ الْإِرَادَةِ الذَّوْقِيَّةِ : مِنْ أَيْنَ لَهُ ابْتِدَاءً أَنَّ سُلُوكَ هَذَا الطَّرِيقِ يُحَصِّلُ لَهُ عِلْماً وَمَعْرِفَةً لَيْسَ مَعَهُ ابْتِدَاءً إلَّا مُجَرَّدُ إخْبَارِ مُخْبِرٍ بِأَنَّهُ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ فَوَصَلَ أَوْ خَاطِرٌ يَقَعُ فِي قَلْبِهِ سُلُوكُ هَذَا الطَّرِيقِ : إمَّا مُجَوِّزاً لِلْوُصُولِ أَوْ مُتَحَرِّياً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ سُلُوكاً ابْتِدَاءً بِلَا انْتِهَاءٍ ؛ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُخْتَصّاً بِالْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ ؛ بَلْ كُلُّ الْعُلُومِ لَا بُدَّ لِلسَّالِكِ فِيهَا ابْتِدَاءً مِنْ مُصَادَرَاتٍ يَأْخُذُهَا مُسَلَّمَةً إلَى أَنْ تتبرهن فِيمَا بَعْدُ .