ابن تيمية
57
مجموعة الفتاوى
فَإِنَّ جَمِيعَ حَرَكَاتِهِمْ وَسَكَنَاتِهِمْ فِي ظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ : مُقْتَبَسَةٌ مِنْ مِشْكَاةِ نُورِ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ وَرَاءَ نُورِ النُّبُوَّةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُونَ فِي طَرِيقِ طَهَارَتِهَا ؟ وَهِيَ أَوَّلُ شُرُوطِهَا تَطْهِيرُ الْقَلْبِ بِالْكُلِّيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ وَمِفْتَاحُهَا اسْتِغْرَاقُ الْقَلْبِ بِذِكْرِ اللَّهِ . قُلْت : يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ : هِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ كَمَا قَرَّرْته غَيْرَ مَرَّةٍ . وَهَذَا أَوَّلُ الْإِسْلَامِ ؛ الَّذِي جَعَلَهُ هُوَ النِّهَايَةَ وَبَيَّنْت الْفَرْقَ بَيْنَ طَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ وَطَرِيقِ الْفَلَاسِفَةِ . وَالْمُتَكَلِّمِين لَكِنْ هُوَ لَمْ يَعْرِفْ طَرِيقَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِن العَارِفِينَ ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهَا وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ الْمَحْضَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى جَمِيعِ الطُّرُقِ . وَالسُّهْرَوَرْدِي الْحَلَبِيُّ الْمَقْتُولُ سَلَكَ النَّظَرَ وَالتَّأَلُّهَ جَمِيعاً ؛ لَكِنَّ هَذَا صابئي مَحْضٌ فَيْلَسُوفٌ لَا يَأْخُذُ مِن النُّبُوَّةِ إلَّا مَا وَافَقَ فَلْسَفَتَهُ بِخِلَافِ ذَيْنِك وَأَمْثَالِهِمَا . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا طَرِيقَةَ النَّظَرِ وَالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً كَجُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَبَعْضِ الْحَنْبَلِيَّةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ ابْتِدَاءً : إلَّا طَرِيقَةَ الرِّيَاضَةِ وَالتَّجَرُّدِ وَالتَّصَوُّفِ كَكَثِيرِ مِن الصُّوفِيَّةِ وَالْفُقَرَاءِ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي الِاتِّحَادِ وَالتَّأَلُّهِ الْمُطْلَقِ . مِثْلُ : عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيِّ وَالْعَفِيفِ التلمساني وَنَحْوِهِمَا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ يَجْمَعُ كَالصَّدْرِ القونوي وَنَحْوِهِ .