ابن تيمية

36

مجموعة الفتاوى

عِلَّةٌ ذَاتُ وَصْفٍ وَاحِدٍ أَوْ لَيْسَ فِي الْمَخْلُوقِ مَا يَكُونُ وَحْدَهُ عِلَّةً وَلَا يَكُونُ فِي الْمَخْلُوقِ عِلَّةٌ إلَّا مَا كَانَ مُرَكَّباً مِنْ أَمْرَيْنِ فَصَاعِداً . فَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقِ وَاحِدٌ يَصْدُرُ عَنْهُ شَيْءٌ فَضْلاً عَنْ أَنْ يُقَالَ : الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إلَّا وَاحِدٌ ؛ بَلْ لَا يَصْدُرُ مِن المَخْلُوقِ شَيْءٌ : إلَّا عَنْ اثْنَيْنِ فَصَاعِداً وَأَمَّا الْوَاحِدُ الَّذِي يَفْعَلُ وَحْدَهُ فَلَيْسَ إلَّا اللَّهُ . فَكَمَا أَنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ وَاجِبَةٌ لَهُ لَازِمَةٌ لَهُ : فَالْمُشَارَكَةُ وَاجِبَةٌ لِلْمَخْلُوقِ لَازِمَةٌ لَهُ والوحدانية مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْكَمَالِ وَالْكَمَالُ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا وَالِاشْتِرَاكُ مُسْتَلْزِمٌ لِلنُّقْصَانِ وَالنُّقْصَانُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ . وَكَذَلِكَ الْوَحْدَانِيَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْغِنَى عَنْ الْغَيْرِ : وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ وَوُجُوبِهِ بِنَفْسِهِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ - مِن الغِنَى وَالْوُجُوبِ بِالنَّفْسِ وَالْقِيَامِ بِالنَّفْسِ - مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْوَحْدَانِيَّةِ ؛ وَالْمُشَارَكَةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْفَقْرِ إلَى الْغَيْرِ وَالْإِمْكَانِ بِالنَّفْسِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ . وَكَذَلِكَ الْفَقْرُ وَالْإِمْكَانُ وَعَدَمُ الْقِيَامِ بِالنَّفْسِ مُسْتَلْزِمٌ لِلِاشْتِرَاكِ وَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا مِنْ دَلَائِلِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَعْلَامِهَا وَهِيَ مِنْ دَلَائِلِ إمْكَانِ الْمَخْلُوقَاتِ الْمَشْهُودَاتِ وَفَقْرِهَا وَأَنَّهَا مِنْ بَدْئِهِ فَهِيَ مِنْ أَدِلَّةِ إثْبَاتِ الصَّانِعِ ؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا مِن الافْتِرَاقِ وَالتَّعْدَادِ وَالِاشْتِرَاكِ : يُوجِبُ افْتِقَارَهَا وَإِمْكَانَهَا وَالْمُمْكِنُ الْمُفْتَقِرُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ غَنِيٍّ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ . وَلَوْ فُرِضَ تَسَلْسُلُ الْمُمْكِنَاتِ الْمُفْتَقِرَاتِ فَهِيَ بِمَجْمُوعِهَا مُمْكِنَةٌ . وَالْمُمْكِنُ قَدْ عُلِمَ