ابن تيمية

10

مجموعة الفتاوى

الْحُدُوثَ لَمَا جَازَ الْعِلْمُ بِالْفَقْرِ إلَيْهِ ؛ حَتَّى تَعْلَمَ هَذِهِ الْعِلَّةَ ؛ إذْ لَا دَلِيلَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْحَاجَةِ إلَى الْمُؤَثِّرِ إلَّا هَذَا . وَحِينَئِذٍ : فَالْعِلْمُ بِنَفْسِ الذَّوَاتِ الْمُفْتَقِرَةِ وَالْإنِيَاتِ الْمُضْطَرَّةِ تُوجِبُ الْعِلْمَ بِحَاجَتِهَا إلَى بَارِئِهَا وَفَقْرِهَا إلَيْهِ ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهَا اللَّهُ آيَاتٍ . فَهَذَانِ مَقَامَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهَا مُفْتَقِرَةٌ إلَى الْمُؤَثِّرِ الْمُوجِبِ أَوْ الْمُحْدِثِ : لِهَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ . الثَّانِي : أَنَّ كُلَّ مُفْتَقِرٍ إلَى الْمُؤَثِّرِ : الْمُوجِبُ أَوْ الْمُحْدِثُ ؛ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ . وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ ؛ لَكِنْ لَيْسَ الطَّرِيقُ مُفْتَقِراً إلَيْهِ وَفِيهِ طُولٌ وَعَقَبَاتٌ تُبْعِدُ الْمَقْصُودَ . أَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ : فَالْعِلْمُ بِفَقْرِهَا غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إمْكَانٍ أَوْ حُدُوثٍ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَإِنَّ كَوْنَهَا مُفْتَقِرَةً إلَيْهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ إلَى أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقِيَاسِ كُلِّيٍّ : مِنْ أَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِبٍ وَكُلُّ مُحْدَثٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ لِأَنَّهَا آيَةٌ لَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ دُونَهُ أَوْ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ آيَةٍ لَهُ . وَالْقَلْبُ بِفِطْرَتِهِ يَعْلَمُ ذَلِكَ ؛ وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِقَلْبِهِ وَصْفُ الْإِمْكَانِ وَالْحُدُوثِ . وَالنُّكْتَةُ : أَنَّ وَصْفَ الْإِمْكَانِ وَالْحُدُوثِ لَا يَجِبُ أَنْ يَعْتَبِرَهُ الْقَلْبُ لَا فِي فَقْرِ ذَوَاتِهَا وَلَا فِي أَنَّهَا آيَةٌ لِبَارِيهَا ؛ وَإِنْ كَانَا وَصْفَيْنِ ثَابِتَيْنِ . وَهُمَا أَيْضاً دَلِيلٌ صَحِيحٌ ؛ لَكِنَّ أَعْيَانَ الْمُمْكِنَاتِ آيَةٌ لِعَيْنِ خَالِقِهَا الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ؛ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ شَرِكَةٌ فِيهِ .