ابن تيمية

345

مجموعة الفتاوى

مَعَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ الثَّالِثَ فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ بِهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ القدوري فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِشَرْحِ الْكَرْخِي : قَالَ بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ قَالَ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ إلَّا بِهِ وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ " بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِك " أَوْ " بِحَقِّ خَلْقِك " . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ : " مَعْقِدُ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِهِ " هُوَ اللَّهُ فَلَا أَكْرَهُ هَذَا وَأَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ : " بِحَقِّ أَنْبِيَائِك وَرُسُلِك وَبِحَقِّ الْبَيْتِ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ " قَالَ القدوري : الْمَسْأَلَةُ بِخَلْقِهِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الْخَالِقِ فَلَا يَجُوزُ - يَعْنِي وِفَاقاً - وَهَذَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَغَيْرِهِمَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ أَنْ يُسْأَلَ اللَّهُ بِغَيْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ : الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُقْسِمَ عَلَيْهِ إلَّا بِهِ . فَهَلَّا قِيلَ : يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ عَلَيْهِ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَأَنْ لَا يُقْسَمَ عَلَى مَخْلُوقٍ إلَّا بِالْخَالِقِ تَعَالَى ؟ قِيلَ لِأَنَّ إقْسَامَهُ بِمَخْلُوقَاتِهِ مِنْ بَابِ مَدْحِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَذِكْرِ آيَاتِهِ وَإِقْسَامُنَا نَحْنُ بِذَلِكَ شِرْكٌ إذَا أَقْسَمْنَا بِهِ لِحَضِّ غَيْرِنَا أَوْ لِمَنْعِهِ أَوْ تَصْدِيقِ خَبَرٍ أَوْ تَكْذِيبِهِ . وَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَسْأَلُك بِكَذَا . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْسِماً فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَفَّارَةُ فِي هَذَا عَلَى الْمُقْسِمِ لَا عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْفُقَهَاءِ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْسِماً فَهُوَ مِنْ بَابِ السُّؤَالِ فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا . فَتَبَيَّنَ أَنَّ السَّائِلَ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَالِفاً بِمَخْلُوقِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ سَائِلاً بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ . وَإِذَا قَالَ " بِاَللَّهِ أَفْعَلُ كَذَا "